تعود العلاقة بين «الحراك الجنوبي» و«أنصار الله» إلى بدايات عام 2008، أي بعد انطلاق «الحراك الجنوبي» فعلياً بعام واحد؛ علاقة اقتصرت على الدعم المعنوي والهم المشترك المبني على المظلومية التي تعرض لها كليهما من قبل نظام الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، الذي لقي مصرعه على يد «الحوثيين» في صنعاء نهاية ديسمبر 2017م، في مشهد دراماتيكي يجلي مدى التغيير الكلي لموازين القوى، وتبدّل أحوال الفرقاء في بلد تتقاذفه رزايا أهله وتحالفاتهم البينية والخارجية القائمة على الاحتراب المستمر وتجاذبات المصالح الضيّقة.
قدّمت «أنصار الله» لـ«الحراك الجنوبي» بداية الكثير من العون والمشورة والمؤازرة، تحت يافظة الاصطفاف السياسي والإعلامي، واعتراف واضح ومعلن بحق الجنوبيين في «تقرير المصير»؛ موقف تبنته الحركة كخيار دافعت عنه علناً في «مؤتمر الحوار الوطني» الذي انعقد في فندق «موفمبيك»، ورفضت التوقيع على مخرجاته لأنها أغفلت الإشارة إلى ذلك.
إصرار القوى السياسية اليمنية على «سلق» مسودة اتفاق «الحوار الوطني» خشية إعلان فشله بعد رفض مكون «الحراك الجنوبي» التوقيع عليه، واستعاضه هادي بياسين مكاوي، للقيام بدور «المحلل»، عزز من متانة العلاقة كثيرا، بين «أنصارالله» و«الحراك»، وساهم في تأسيس مدماك مشترك لطرفين، يملكان أكبر قاعدتين شعبيتين، مكنتهما لاحقاً للعب أدوار حاسمة في مسارات الصراع المحتدم في اليمن بتسارع مذهل يدخل اليوم عامه الرابع.

تغيير المواقف

في سبتمبر عام 2014م سيطر «أنصار الله» على صنعاء، فارضين أنفسهم كقوّة سياسية وعسكرية فاعلة بعدها بأسابيع «الحراك الجنوبي» يعلن رسمياً بأنه غير معني بالصراع الدائر في صنعاء، ولن يكون جزء منه، أعقب ذلك كلمة لزعيم الحركة عبد الملك الحوثي، أكد خلالها أن «القضية الجنوبية قضية عادلة وسيجري حلّها كمظلومية حقوقية»، موقف رأت فيه أطراف جنوبية بأنه كان «بمثابة الشرخ الغائر في علاقة الطرفين»، فقد اعتبره جزء كبير في «الحراك الجنوبي» تنصلاً كاملاً عن «شعارات» الحركة السابقة تجاه «القضية الجنوبية»، و«تنكرّ» غير متوقع لشق القضية السياسي ممثلة بـ«حق تقرير المصير» الحق الذي كان «أنصار الله» يدعمونه بوضوح طوال أعوام عديدة؛ ويبدو أن تغيير الوضع القائم بين مراكز القوى شمالاً، وتحالف صالح مع «الحوثيين» وحساسية القوى الفاعلة شمالاً من هاجس استقلال الجنوب، لم يدع للحركة مجالاً للاستمرار بالتمسك بموقفهم السابق من قضية الجنوب.

عدن

في عدن كانت قوى «الحراك الجنوبي» تقيم اعتصاماً حاشداً في ساحة العروض استمر لأكثر من 4 أشهر، وتراقب تطورات الوضع في صنعاء بحذر شديد، وظل قادة «الحراك» يعلنون نأي الجنوبيين عن الصراع الدائر في صنعاء، معتبرين بأنه «صراع بين أجنحة مراكز قوى الاحتلال مجتمعة على السلطة».
فشلت حينها كل المساعي التي بذلتها جهات محسوبة على الرئيس هادي، في حشد تأييد له جنوباً فـ«الحراك» كان مسيطراً تماماً على الشارع، وبزخم كبير متصاعد.
بدأت «أنصار الله» وقتها بالضغط على «القوى الجنوبية» لاستمالتهم إلى جانبها، لكن مضمون خطاب زعيم الحركة، كان له تأثيره البالغ في مزاج «الحراك» ويبدو أن قيادة «أنصار الله» لم تكن محيطة بالحسابات الداخلية جنوباً، والعقلية التي بدأت تتحكم بأفعال وردود أفعال الشارع الجنوبي المختلف كليّا عن الشارع الشعبي شمالاً، الذي تتقاسمه مراكز نفوذ مختلفة متقاطعة المصالح والأهداف، باستثناء القاعدة الجماهيرية التي يمثلها «أنصار الله» شمالاً.
ضغطت الحركة على قوى «الحراك الجنوبي» القريبة منها كثيراً ضغط وصل مداه في تقليص الدعم الذي يقدمه «حزب الله» لطاقم قناة «عدن لايف» الناطقة باسم قوى ا«لحراك الجنوبي» التابع للرئيس الجنوبي السابق علي سالم البيض، والتي كانت تبث من العاصمة اللبنانية بيروت.
لكن العلاقة بين الجانبين ظلت متواصلة، وإن في حدها الأدنى إلى أن اندلعت الحرب الأخيرة في الـ25من مارس عام 2015م وزحف مجاميع من مسلحي «أنصار الله» الى مدينة الضالع، وإعلان انضمامهم إلى اللواء 35 مدرّع بقيادة العميد عبدالله ضبعان، الذي تتهمه قوى «الحراك» بقصف سرادق عزاء في بلدة سناح، أوقع قتلى وجرحى بينهم أطفال.
انضمام عناصر من الحركة إلى جانب قوات ضبعان، قطع آخر شعرة كانت تربط «الحراك الجنوبي» بـ «أنصار الله» ليدخل الطرفان في مواجهات دامية لازالت نتائجها ماثلة حتى اليوم على الرغم من تواجد عدد قليل من قيادات «الحراك الجنوبي» الذين أعلنوا موقف داعم لـ«أنصار الله» من بينهم القيادي البارز في «الحراك» ناصر باقزقوز الذين عين وزيراً للسياحة والناطق الحالي باسم حكومة الانقاذ الوطني بصنعاء، عبد السلام جابر.
أثناء الحرب، وتحديداً في شهر يونيو عام 2015، عرض «أنصار الله» على قيادات في «الحراك» تقاتل ضدهم إلى جانب «التحالف العربي» تسليمهم إدارة المحافظات الجنوبية التي كانوا يسيطرون عليها بينها عدن وأجزاء من لحج وأبين وشبوة، غير أن ذلك لم ينجح لأن المسافة بين الجانبين كانت قد توسعت كثيراً ولم يعد ممكننا مد جسورها من جديد والنيران تشتعل في سائر الجسد اليمني والتي ساهم في إذكائها تدخل السعودية في حرب ما زالت مستمرة ولا يبدو بصيص أمل في نهاية النفق المظلم لإيقافها.