يصف الحرب الدائرة في اليمن بـ«العبثية». ويرى في السعودية «شراً لا بد منه»، وفي «الشرعية ملاذاً من التشظي وإن كانت لا تسير في الطريق الصحيح». عضو اللجنة المركزية في «التنظيم الوحدوي الناصري»، حاتم أبو حاتم، في حوار مع «العربي»، يكشف فيه المزيد من التفاصيل حول اغتيال الرئيس إبراهيم محمد الحمدي، ويقدم قراءته للمشهد الراهن والتحولات بين الأمس واليوم.
بداية، ما توصيفك للحرب الدائرة اليوم في اليمن؟
حرب عبثية وصراع مزق النسيج الاجتماعي وقسّم الوطن، ليس إلى 6 أقاليم، ولكن إلى تشظيات ونتف بلا ضوابط ولا هدف.
أين يقف «التنظيم الناصري»، اليوم، مما يدور من أحداث على الساحة اليمنية؟
التنظيم مدني، وليست له مصادر مالية ولا جمعيات خيرية ولا ميليشيات. وبالنسبة لمن يتقلدون مناصب وهم من التنظيم فهؤلاء موظفون ولا علاقتة لهم بمواقف التنظيم، كسلطان العتواني مستشار الرئيس هادي، والوزير عبد الرقيب فتح. أما موقف التنظيم المؤيد للشرعية ومؤتمر الحوار وتنفيذ مخرجاته، والرافض لانقلاب 21 سبتمبر 2014م، فأنا معه ومؤيد لكل ما يقرره الأمين العام للتنظيم، المحامي عبد الله نعمان.
وماذا عن بقية النخب والأحزاب اليسارية والقومية؟
هؤلاء يتحملون الوزر الأكبر (مما يدور)، لأنهم عاشوا مراهقة سياسية ويتصارعون فيما بينهم البين. في 5 نوفمبر 67م، تآمروا على الناصري، التيار المتقدم آنذاك. وتطاحنوا بعدها فيما بينهم، وتحكمت القوى التقليدية بدعم من النظام السعودي الذي ظل لعقود يعطي مرتبات للمشايخ والمسؤولين، وهذه المبالغ لو أنه قدمها للشعب اليمني لكان أجدى، لكنه خلق بهذا الدعم مراكز قوى تنقلب عليه إذا ما وجدت دعماً أكثر من أي جهة أخرى. ناهيك عن أن هذا الأسلوب حوّل جزءاً من اليمنيين إلى مرتزقة يبحثون عن الرزق ولو على حساب الوطن، وهاهي اليوم السعودية تعاني جراء دعمها لعلي عبد الله صالح.
على ذكر السعودية، كيف تصفون علاقتكم بها؟
السعودية شر لا بد منه، وجار لا نستطيع الفرار منه، والمملكة وراءها دول كبرى ونحن بلد فقير، وهي لا تتدخل في اليمن إلا بسبب خلافاتنا وصراعنا فيما بيننا. وأنا مع الشرعية، فبدونها قد يقدم سلطان العرادة على إعلان مأرب إمارة مستقلة، والبحسني ينفرد بحضرموت، والزبيدي ينصب نفسه حاكماً على عدن، والمخلافي ينفصل بتعز، لذا لا بد من العودة إلى مخرجات الحوار لتنفيذها والتوافق على شكل نظام الحكم القادم.
على من تلقون المسؤولية في ما آلت إليه الأوضاع؟
على التركة الثقيلة والمتوارثة لعهود من التجهيل الممنهج وسوء استغلال السلطة، كما حدث من قبل المتنفذين بعد اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي. فنظام علي عبد الله صالح دمر الأخلاق والقيم، وتحول وجهاء البلد إلى تجار حروب وعابثين بمقدرات الوطن. وانتهج صالح طوال عهده تقريب القوى التقليدية وشراء الضمائر ومحاربة وتهميش القوى التقدمية والحداثية. وعندما اندلعت ثورة فبراير 2011م، تمسكت بالسلمية، ولكن تم حرف مسارها نحو العنف، ولم يغادر صالح السلطة إلا شكلياً، لأنه بنى سلطة مناطقية من محيط صنعاء، ولم يبن جيشاً وطنياً، بل دمر الجيش الذي بناه الشهيد الحمدي وحوله إلى إقطاعية خاصة به. كما أن المبادرة الخليجية مثلت التفافاً على ثورة فبراير.
وجاء بعدها مؤتمر الحوار الوطني الذي ضم ممثلين لكل الأحزاب والمكونات اليمنية، واستبشرنا خيراً. ومضى الحوار بنجاح، ولم يتبق سوى التوافق على مشروع الأقاليم، وكان المقترح 6، وكنت أنا ونسبة لا بأس بها مع مقترح الإقليمين (شمال وجنوب) تحت مظلة اليمن الواحد، ولكن انقلاب 21 سبتمبر 2014م نسف كل ما توافق عليه اليمنيون، ولم يستمع أنصار الله لأي ناصح، وقد ذهبت إليهم في المجلس السياسي عقب سيطرتهم على صنعاء، وقلت لهم «يكفي ما أنتم عليه، وتوقفوا عن إقصاء الآخرين والتوسع بقوة السلاح، وكونوا طرفاً فاعلاً في شراكة مع بقية المكونات، والزموا البقاء في صنعاء، وانتهجوا الحوار لبناء دولة مع الجميع»، لكنهم لم يستمعوا لي ولا لغيري، وأنا من عارضت الحروب الست على صعدة، واعتبرتها حروباً ظالمة، وتعرضت بسبب ذلك للاعتداء أكثر من مرة من قبل سلطة صالح.
هل لا تزال قضية اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي غامضة إلى اليوم؟
هي ليست غامضة، بل واضحة وضوح الشمس، فالقاتل هو الملحق العسكري السعودي صالح الهديان، والمنفذ علي عبد الله صالح ومن منه.
من تقصد؟
أحمد الغشمي الرأس الكبير والبقية.
صالح يقول إنه كان في تعز يوم اغتيال الحمدي؟
جمعني مقيل مع صالح عندما كان رئيساً، فتحدث يومها عن أنه يوم اغتيال الحمدي كان في تعز، فرردت عليه بالقول: «يا فندم أنا رأيتك ذلك اليوم بعد الظهر في نادي الضباط بصنعاء»، فصمت صالح وهو من المنفذين للجريمة، وكل قيادات التنظيم كانوا على قناعة بذلك، باستثناء عبدالله عبد العالم الذي لم يكن مدركاً لذلك؛ فعقب مقتل الرئيس الحمدي، كان لواء العمالقة قد تحرك صوب صنعاء، لكن عبد الله عبد العالم أقنع قادته بأن الغشمي وصالح ليسوا هم القتلة، ولا داعي لتحريك اللواء إلى صنعاء. لم يكن مدركاً لأبعاد المؤامرة، لكن التنظيم كان على قناعة بأنهم القتلة.
وماذا عن الشيخ عبد الله الأحمر؟
الشيخ عبد الله الأحمر، والعم سنان أبو لحوم، كانا أعداء ألداء للرئيس الحمدي، لكنهما لم يتورطا في قتله. وقد عرض علي أحمد الغشمي حينما كان رئيساً وأنا نائب للقوات الجوية مبلغاً كبيراً من المال لأقتل سنان أبو لحوم، فرفضت وقلت له: صاحبي، فقال: لأنه صاحبك تستطيع قتله، فكررت رفضي المطلق لطلبه. فختم الغشمي حديثه معي قائلاً: «لن تصلح اليمن وعبد الله الأحمر وسنان في الوجود». لقد كان الغشمي يريد التخلص من الرجلين، ولم يسمح لهما بالعودة إلى صنعاء أثناء ترؤسه أبداً، لكنهما سبقاه.
لكن ماذا عن مقتل الغشمي بالشنطة الملغومة؟
أنا أشك حتى الآن في مسألة مقتله بالطريقة التي أشيعت. البعض يقول إن الانفجار وقع من الدور الأسفل، لكنني لا أستطيع أن أجزم بصحة ذلك.
أين كنت يوم اغتيال الرئيس الحمدي؟
كنت في بيتي، وكان عندي ناجي المضرحي والدكتور محمد النديش، وسمعنا نبأ مقتله من الإذاعة، فصاح النديش: «قتلوه أولاد...». وفي اليوم الخامس لاغتيال الرئيس الحمدي، خرج الغشمي إلى المطار حيث مقر قيادة القوات الجوية، وكان قائدها محمد ضيف الله وأنا نائبه، وعقب لقائه بالضباط، قابلته منفرداً بجوار سيارته وقلت له: يا فندم الكثير يقولون إنك من قتلت إبراهيم، فرد علي: لا تصدق. وطلب ورقة ولم يجدها، فطلب من سائقه محمد الحاوري ولم يجد ورقة. فطلب باكت السيجارة، وأخرج منه الغلاف الداخلي للسجائر وكتب فيه لمدير المالية في القوات المسلحة: «الوالد علي الهادي اصرفوا لحاتم أبو حاتم سبعين ألف ريال». فسألته: هل هذه سكاتة لأصمت يا فندم؟ رد عليّ: امشي لك سكته. فرفضت أخذ المبلغ.
وهل الحاوري من ضمن قتلة الرئيس الحمدي؟
نعم صالح والغشمي ومحمد يحيى الحاوري وآخر لقبه المعافا.
كيف نجوت من القتل أو السجن وأنت مشارك في محاولة الانقلاب على صالح؟
كنت في غرفة العمليات التي كانت منزل الشهيد عبد الكريم المحويتي، وعندما فشلنا في إسقاط صالح توجهت إلى مطار صنعاء من أجل أن أستقل طائرة إلى عدن، ولكن مدرعات اللواء السادس كانت قد سبقتني في السيطرة على المطار، فعدت إلى البيت وسلمت أمري إلى الله، فحضر أحد أبناء عمومتي، الرائد محمد منصور أبو حاتم، فطلب مني الخروج معه إلى نهم مسقط رأسي، وكان معي عيسى محمد سيف الذي عرضت عليه الخروج معي إلى نهم، فرفض وقال: لن أذهب وسأضحي بنفسي نيابة عن الجميع. وذهب إلى منزله بصنعاء واعتقل من هناك. وأنا ذهبت إلى نهم وبقيت فيها إلى عام 1992م، وكان معي في نهم مجموعة من الملاحقين من قبل صالح ونظامه.
ألم تشارك في محاولة انقلاب على الرئيس الحمدي بداية حكمه؟
لا، وإنما حاولت لأنه تم تصعيد علي الشيبة الذي كان قائداً للقوات الجوية إلى عضوية مجلس القيادة، وكان قائداً سيئاً جداً وفاسداً، فانتفضنا عليه وقمنا باعتقاله. وتزامن ذلك مع تدشين حركة التصحيح، فاتصلت للرئيس الحمدي وقلت له: نحن بدأنا ننفذ برنامج التصحيح بحجز علي الشيبة، قال: هو عضو مجلس قيادة، فرددت: لكنه فاسد. فهدد الحمدي بأنه سيعدمنا لأن هذه سابقة خطيرة في الجيش. فشكل لجنة برئاسة عبد الله عبد العالم وعضوية أحمد الغشمي وعلي أبو لحوم. فطلبوا منا إطلاق سراحه فأفرجنا عنه مع تمسكنا بتغييره. فقال لي أحمد الغشمي: كان يجب إعدامكم في ميدان عسكري، فأجبته بالقول: بل أنتم من تستحقون الإعدام لانقلابكم على رئيس الجمهورية القاضي عبد الرحمن الإرياني. فقال: نحن قمنا بذلك من أجل الوطن. فقلت له: ونحن اعتقلنا الشيبة من أجل الوطن. وبعدها زُج بي في السجن شهرين.
هناك من يرى أن الحمدي صعد إلى السلطة بضوء أخضر من السعودية، ما صحة ذلك؟
أعتقد صحة ذلك، فإبراهيم الحمدي كان ذكياً، وكان الشيخ عبد الله وسنان أبو لحوم يريان فيه شخصية ناجحة ومحبوبة من الجميع، وفي ذات الوقت تفتقد لأي سند قبلي، فهو بنظرهما ابن فقيه لا يشكل خطورة عليهما، وسيستخدمانه كما الرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني، وأقنع الشيخ الأحمر النظام السعودي بقبول تمكين الحمدي من السلطة، خصوصاً الملك فيصل الذي كان معجباً بشخصية الحمدي وذكائه. لكنه بعد تسلم السلطة بدأ خلاف الحمدي مع الأحمر والسعودية.
أين هي جثامين قيادات «الناصري» والبقية المخفيين قسرياً؟
لاجديد بشأنهم، وقبل أيام جاءت لي زوجة الشهيد عبد الكريم المحويتي تقول لي إنها مقتنعة بأن زوجها لا يزال حياً. وهذا واحد من مواقف تدمي القلوب لأسر الشهداء والمخفيين.
أين دفُنت جثامين من تم إعدامهم بعد محاكمتهم صورياً؟
في الأرضية التي بني عليها منزل الرئيس عبد ربه منصور هادي بصنعاء، بحسب ما أكد لي ضابط أثق به، كشف لي أيضاً أن البعض منهم دُفنوا هناك وهم أحياء.
لو قُدر للرئيس الحمدي الاستمرار في السلطة، هل كان سيتحول إلى ديكتاتور؟
لا، لا، الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي كان زعيماً شعبياً، وظل ملاصقاً للشعب في حله وترحاله ومجسداً لطموحاته وتطلعاته، ولو استمر في السلطة لكانت اليمن اليوم سيدة على الجزيرة العربية، ولكنا من يقدم المساعدات للخليج التي نستجديها منهم اليوم.
ألم يبارك «التنظيم الناصري» صعود صالح إلى السلطة، وفضّله على العرشي؟
نعم، لأن العرشي كان محاطاً بالقوى التقليدية والمشيخ كعبد الله الأحمر وسنان أبو لحوم، فكنا مع اختيار الأضعف الذي كان حينها صالح، لكي تتسنى لنا العودة إلى السلطة بنظام الشهيد الحمدي ومشروعه.
تأسست المعاهد العلمية التابعة لـ«الإخوان المسلمين» في عهد الرئيس الحمدي، لماذا؟
كان هناك نقص كبير في المعلمين في المدارس، وتولى استقدامهم القاضي الفسيل، وكانت مصر حينها بعيدة عن الخط الناصري. ربما أن الإخوان استغلوا حاجة المدارس للمعلمين، وشخصية الفسيل الذي عُين رئيساً لهيئة المعاهد لاستقدام معلمين يحملون فكر الجماعة بما يعزز نفوذهم في اليمن.
كونك من أبناء نهم شرق صنعاء، ما الذي تخبرنا به عما يحدث هناك؟ ولماذا تراوح الحرب مكانها منذ أكثر من عامين؟
دُمرت منازلنا وممتلكاتنا ومزارعنا في نهم، وحُرمنا حتى من نزول المطر منذ عام ونصف عام، وقوات الشرعية تخلت عن التقدم من الطريق الرئيسي صوب نقيل بن غيلان، وتشعبت لها في جبال وعرة تجعل من وصولها إلى صنعاء تحدياً صعباً. والناطق باسم قوات الشرعية صرح قبل أيام بأنهم جاهزون لاقتحام صنعاء وبانتظار القرار السياسي. فهل أريد لنهم أن تكون مستنقعاً للمتصارعين وتجنيب صنعاء الخراب؟ ربما.
يصف البعض «الجغرافيا الزيدية» بـ«المركز المقدس»، كيف ترى ذلك؟
السكان في محيط صنعاء وشمالها مظلومون، ومناطقهم لا تزال محرومة إلى اليوم من معظم الخدمات وفي المقدمة التعليم، ولم ينكسر طوق العزلة عن هذه المجتمعات القبلية حتى في عهد صالح، الذي حول المراكز الثقافية التي أنشأها الرئيس الحمدي في صعدة والجوف إلى مقرات عسكرية.
هل من نهاية للحرب الدائرة اليوم؟ وكيف تتصورونها؟
هناك مؤامرة على اليمن والوطن العربي بأكمله، وهذه الحرب ستعم السعودية والخليج. والمجاعة والأمراض والأوبئة ستفتك بنا أشد من نيران الحرب. ولا أحد يهتم بمأساة الشعب اليمني، حتى الشرعية، فهي لا تقود البلاد في الطريق الصحيح.