يرى أن «المجلس الانتقالي» ليس حزباً سياسياً، ولكنه صيغة وطنية لتوحيد الإرادة الجنوبية والتعبير عنها، وأن الهبة الشعبية لم تكن مشروعاً شخصياً أو قبلياً، وإنما هي انفجار شامل في حضرموت ضد نظام ما قبل الدولة في صنعاء. الدكتور سعيد سالم الجريري رئيس تيار «مثقفون من أجل جنوب جديد»، وعضو «الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي» في حوار خاص مع «العربي»، يتصور أن اليمن (الشمال) لم تقم فيه ثورة حقيقية الآن، لكنه سيكون على موعد مع ثورة لما تنفجر بعد، ويشير إلى أن العام 2017، سُلِبَتْ فيه الحقوق والحريات، وتفاصيل أخرى نستعرضها في الحوار التالي:
عام مضى تحولت فيه قوى وصعدت أو تهاوت أخرى... ما هو تعليقك على ذلك العام وما هي رؤيتك للقادم؟
كان عاماً منتهكاً لحق الإنسان العربي في الحياة الآمنة المستقرة، مفخخاً بساسة يديرون معارك بالوكالة، يذهب ضحيتها الأبرياء ولاسيما الأطفال والنساء، فيما يزهو تجار الحروب والسياسة بأمجاد إعلامية تخفي قبح الاتجار بالمآسي وفتح المستقبل على المجهول.
وفي المسألة اليمنية، كانت نهاية علي عبدالله صالح على يد (أعدائه الحلفاء) الحوثيين، طيّاً لسجّادة حمراء، انكشف ما تحتها من حشرات وبراغيث سياسية واجتماعية، من الممكن اختصارها في أن هناك تماهياً غريباً صادماً لغير العارف، تمثل في أن القبيلة والمذهب يتكاملان ويتمظهران معاً لخدمة مصالحهما في تشكيلات سياسية هشة، لا دور لها حقيقياً بعيداً عن توجهات القبيلة والمذهب. ما يعني أن ما كان يسمى بالدولة التي سقطت بيد الحوثي في أغرب صفقة معاصرة، إنما هو وهم تم تسويقه، بينما واقع الحال يحيل على مسمى (ما قبل الدولة)، وهو ما كان تجليه الأبرز في ثنائية دلالة (شيخ الرئيس - رئيس الشيخ)، التي تخلي مكانها لثنائية دلالة أخرى (سيد الرئيس - رئيس السيد)، لذا لم يكن مقبولاً قط، ممارسة رئيس من خارج تلك العلاقة، مهامه وصلاحياته كما في حالة عبدربه منصور، على الرغم من التوافقية الفانتازية التي نالها، وهو ما يفسر ما تعرض له قبل هربه من صنعاء متخفياً ثم ملاحقته إلى عدن، لأنه تخيل - في لحظة خارج منطق القبيلة / المذهب، أنه أكبر من مجرد (موظف مستخدَم) بصفة رئيس توافقي لدى تحالف ما قبل الدولة، غير أن الحالة جنوباً، تبدو مختلفة نوعاً ما، فبعد أن حررت المقاومة الجنوبية أرضها من قوى تحالف ما قبل الدولة المقبل من صنعاء بصيغتيه القديمة والجديدة، وبعد أن حاولت تلك القوى إعادة تصدير نفسها عبر ممثليها في ما يسمى بالشرعية اليمنية وإصرار عبدربه منصور على تأدية دور المستخدَم الجنوبي في عدن لإعادة إنتاج الصيغة المتهافتة للوحدة، المنتهية الصلاحية، بصيغة أخرى اتحادية مخاتلة، تعيد تمكين بقايا النظام الفاسد، فقد ولدت في ميدان المواجهة الجنوبية صيغة توحيد القرار الجنوبي، تمثلت في تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يحظى بقاعدة شعبية ذات توجه استقلالي غير طارئ، فهو توجه معلن منذ انطلاق الحراك الجنوبي السلمي في ٢٠٠٧، على امتداد الساحة الجنوبية، من المهرة إلى باب المندب، ولعل أهمية المجلس تكمن بشكل جوهري، في سحبه البساطَ من تحت أقدام أي (مستخدم) جنوبي، يتطلع لتزييف إرادة الاستقلال الجنوبية كما كان يحدث في مراحل سابقة.
العام الجديد ٢٠١٨ في تصوري، سيكون مكملاً لفصول لم تكتمل، لكن حالة الإنهاك العام ستفضي إلى دفع الجميع إلى القبول بالجلوس إلى طاولة جديدة، وهم متعادلون في عوامل الاستقواء والاستضعاف، وهو ما يهيئ للوصول إلى حلول واقعية، تختلف عن الحلول الافتراضية السابقة.
يرى بعضهم أن إحياء ذكرى الهبة الحضرمية من قبل حلف حضرموت لم يعد مجدياً، لأنه في نظرهم لم يعد يمثل إلا شخصية رئيسه، ولا يلبي طموحات الشعب.. كيف تفسر ذلك؟
الهبة الشعبية لم تكن مشروعاً شخصياً أو قبلياً، لذلك كان انطلاقها في العام ٢٠١٣، انفجاراً شاملاً في حضرموت ضد نظام ما قبل الدولة في صنعاء، الذي كان جاثماً على الصدور في مناطق الجنوب كافة، ومن موقعي في مشهد انطلاق الهبة حينئذ، فقد حركتْ وأطلقتْ من كان متردداً، لأن مستويات الثورة والاحتجاج كانت متفاوتة، وليست بمستوى واحد، فكان انطلاق الهبة بتلك الصيغة بعد اغتيال الشهيد بن حبريش التقاطاً للحظة، وقد شكل رافداً جديداً لزخم الرفض الحضرمي للتبعية والنهب باسم دولة لا وجود حقيقياً لها، وهذا ليس غريباً، فالمقاومة والمواجهة ضد نظام علي عبدالله صالح بعد ١٩٩٤ كان انطلاقها من المكلا، وكان قادة الحراك الجنوبي السلمي من حضرموت، ولهم قواعد شعبية على امتداد خارطة الأراضي الجنوبية المحتلة حينئذ. أما الاحتفال بذكرى الهبة، فهو تجديد لحالة الرفض والتمسك بأهداف الهبة التي تتجاوز الأشخاص، والحلف القبلي، إلى كونها أهداف شعب ضاع من زمنه الكثير ولا مجال لإضاعة المزيد، وفي تصوري أن ذهنية الولاء القبلي ليست مهيمنة في حضرموت، وقد تلاشت عبر عقود من الزمن، ليحل محلها الشعور بالمواطنة، في ظل دولة ونظام وقانون، على الرغم من التشوهات التي أحدثها الوضع الاستثنائي الذي فرضه علي عبدالله صالح وحلفاؤه، وستنتصر حضرموت لقيم المدنية، من دون أن تتصادم مع ما هو إيجابي في القيم التاريخية وتجلياتها الاجتماعية. فالانتماء للقبيلة في حضرموت انتماء نسب، لا عصبية قبلية، وهذا أحد وجوه الاختلاف الجوهرية التي أفشلت مرامي نظام علي صالح، الذي حاول إثارة القبلية لتكون جزءاً من لعبته المفضلة.
ماهو مصير مؤتمر حضرموت الجامع في ظل المتغيرات الحالية؟
المؤتمر الجامع، صيغة أفضت إلى بلورة أهداف محددة واستحقاقات لا يمكن القفز عليها، منها ما هو مرحلي آني ومنها ما هو استراتيجي مستقبلي، ولعل المؤتمر- على الرغم مما دار حوله من جدل - يمسك بأجندة قلما يُختلف عليها، فهي ملبية ومعبرة عن تطلعات شعبية تم تأكيدها بالتراكم، وستتحقق بمزيد من التضامن والاصطفاف الموضوعي المتعامل بذكاء مع متغيرات اللحظة السياسية.
يتفق ويختلف كثيرون مع الانتقالي... ويصفه البعض بالمرتهن لقوى خارجية.. هل سيحقق هذا الكيان حلم الناس؟
المجلس الانتقالي ليس حزباً سياسياً، ولكنه صيغة وطنية لتوحيد الإرادة الجنوبية والتعبير عنها، وفق اصطفاف شعبي استقلالي لا يناور لتحقيق ما هو أدنى، لذا فهو الجدار العالي الذي يستند إليه رافضو الاستمرار في وحدة غير قابلة لإعادة الإنتاج، لأسباب موضوعية، ومن الطبيعي أن يختلف معه بدرجة رئيسة من يتبنون مشروعاً أدنى من الاستقلال. أما من يشاطرونه وحدة الهدف فاختلافهم معه تنظيمي أكثر منه شيئاً آخر، وهذا طبيعي جداً، ويقتضي فتح حوار بمرجعية الثوابت المتفق عليها. لكن المفارقة أن من يصفون الانتقالي بالمرتهن لقوى خارجية، هم مرتهنون لقوى خارجية أيضاً، فلكل أطراف الحرب القائمة تحالفات مع قوى خارجية، وكما تعلم فاللعب بالدلالات متاح لكل طرف من موقعه، ففي كل حالات الصراع والمواجهة لابد من حلفاء وشركاء داخليين وخارجيين، وليس الانتقالي استثناء، ولعل علاقته بالإمارات كما يوحي السؤال، قد حققت للجنوب على الأرض كثيراً من عوامل التمكين، ولاسيما العسكري والأمني، بعد الفراغ الذي تركه اندحار أو انسحاب الأولوية العسكرية والأمنية التابعة لنظام علي عبدالله صالح ووارثيه، لكن هذا لا يعني أن يكون المسار بلا محددات واضحة ومتفق عليها، فليس في السياسة شيء اسمه «(التعامل بالقلوب»، لكن فقلاالمقابل لم يكن - موضوعياً - أمام الانتقالي على أي حال خيارات مريحة، فلم يجد الجنوب نصيراً لقضيته بمفهومها السياسي والوطني، وهو في المعركة التي فرضت عليه «مكره أخاك لا بطل». أما تحقيق الأهداف فسيتم في سياق مسارات سياسية ليست مفروشة بالورد على أي حال، وقراءة المشهد منذ العام ٢٠٠٧ تؤشر التحول الإيجابي الذي حدث، فالمؤشر البياني تصاعدي، فالجنوب المهزوم في ٩٤ يتقدم الآن ويستعيد عوامل قوته، في الوقت الذي تتفكك القوى التي كانت مهيمنة عليه ومستلبه إرادته وقراره السياسي.
كيف يمكن للانتقالي أن يوازن بين أهدافه وأهداف التحالف العربي التي تتناقض مع تطالعاته، وهل يمكن لغاية الانتقالي أن تبرر وسيلته في التعامل مع التحالف؟
ليس بالضرورة أن تتطابق الأهداف في أي تحالف، والانتقالي ليس دولة على أي حال، فهو جبهة اصطفاف شعبي وهذا مصدر قوته، ومتى تقاطعت الأهداف على الأرض فمرجعية الانتقالي قاعدة شعبية وليس هيئة مرتهنة أو تابعة، ولذا فالحرب مازالت مستمرة والجنوب لن يكون خارج الطاولة المنتظرة كما كان في السابق، وما هو معتمل على الأرض يدل على وجود ثلاث قوى رئيسية على عكس ما كان قبل الحرب، هي الحركة الحوثية وانصارها وحاضنتها الاجتماعية في الشمال، والانتقالي (المقاومة والحراك) وحاضنته السياسية والاجتماعية في الجنوب، و«الشرعية» الافتراضية ومعظم قياداتها من بقايا نظام علي صالح وحلفائه التقليديين، ورئاستهافي المنفى وتتمتع بالاستضافة في الرياض وعدن وعواصم أخرى، ولم تحقق تقدماً عسكراً يذكر باتجاه صنعاء لاستعادة شرعيتها ودولتها هناك.
ما هي رؤيتك للحل على الصعيد العام (اليمن) وعلى الصعيد الخاص (الجنوب)؟
ليس هناك أسوأ مما مضى. لكن أتصور أن اليمن (الشمال) لم تقم فيه ثورة حقيقية إلى حد الآن، فتاريخه المعاصر لتاريخ انقلابات، وآخرها انقلاب الحوثي – صالح. حتى ثورة ١١ فبراير العام 2011 كما تم وصفها، تم الانقلاب عليها وحرف مسارها من ثورة شبابية (أو بالأحرى: حراك شعبي لإسقاط النظام) إلى أزمة سياسية، بعد أن احتوتها قوى قبلية دينية وعسكرية، هي جزء من النظام الذي قامت الثورة افتراضياً عليه. لذا فاليمن سيكون على موعد مع ثورة لما تنفجر بعد. وإلى أن تثور صنعاء كما يقول البردوني، مؤكداً في مخاطبته إياها (صنعاء يا أخت القبورِ * ثوري فإنك لم تثوري)، فستظل تحالفات ما قبل الدولة تعبث بمصير الشعب هناك، ويقع على قوى الحداثة والمدنية دور النهوض بهذه الاستراتيجية المستقبلية، وإسقاط زيف الأحزاب الشكلية التي تطوف حول معبد (القبيلة - المذهب) وتزيف كل شيء له علاقة بمنجزات العصر الدولة المدنية - التعددية الحزبية - الحقوق والحريات-المواطنة-الدستور-القانون...إلخ).
ولعل من المنطقي أن أشير هنا إلى المرجعيات الثلاث، التي يراد لها أن تكون مدخلاً للحل، هي مما أنتجته لحظة زائفة، فالمبادرة الخليجية هي صيغة احتواء «الثورة الشبابية»، وتحويل الحدث إلى أزمة صراع على السلطة، مكنت النظام المراد إسقاطه من إعادة ترتيب قواه، وهو ما أنتج إسقاط عاصمة الدولة اليمنية بيد الحركة الحوثية بلا مواجهة. أما ما سمي بالحوار الوطني الشامل وهو المرجعية الثانية للحل، فهو حوار خارج حقائق اللحظة والواقع، وجرى بين قوى افتراضية لا تملك القرار، لذلك سرعان ما سقطت مخرجاته بسقوط صنعاء ورمزيتها كعاصمة للدولة، وما تلاها من حرب وتداعيات كارثية. والمرجعية الثالثة هي القرار الأممي 2216 وهو مؤسس على معطيات قفزت على الواقع لفرض واقع غير قابل للتطبيق، هي معطيات المبادرة الخليجية والحوار الوطني، وهو ما أربك ثلاث جهات في لحظة واحدة هي شرعية الجمهورية اليمنية، والمنظومة الخليجية وتحالفها في ما بعد، والأمم المتحدة التي بنت قرارها على معطيات هشة تقفز على طبيعة البنية العميقة في صنعاء.
أما الجنوب، الذي ظل عملياً خارج إطار المرجعيات الثلاث المذكورة، فقد تعرض لأسوأ عملية تجريف سياسي وثقافي منذ العام 1994، سيظل يواجه آثاره السلبية في أكثر من اتجاه، لكن المختلف أن الجنوب الذي تمرد وثار على نظام ما قبل الدولة القادم من صنعاءً حاملاً مفاعيل تدمير شواخص الدولة والتوجه المدني العام، قد اختط طريقه - على الرغم من المعيقات - لبناء دولة المواطنة، وإعادة بناء ما تم تدميره منذ العام 1994 ولاسيما منظومة القيم واحترام القانون، وخلخلة البنى الاجتماعية والثقافية، ولذا فما سيتحقق جنوباً، سيكون رافداً لقوى الحداثة والمدنية في الشمال لإنجاز شروط الثورة اليمنية الأولى هناك، وعندئذ، فإن الإنساني بعيداً عن متعاليات القبيلة - المذهب، هو ما سيضمن صيغة تعايش وتحالف في إطار تجاور آمن للأجيال القادمة.
التعليقات