برغم قصر الفترة التي قضاها الزعيم اليمني الراحل، إبراهيم الحمدي، في الحكم، إلا أنه ما يزال متربعاً على قلوب وأفئدة الشعب، حاملاً أحلامهم وآمالهم في الخروج من حلقة التيه التي ظل يعيشها لأكثر من ألف عام، هي فترة الضياع والتفكك والاغتراب وطمس الهوية كلياً.
والرئيس إبراهيم الحمدي، الذي ولد في العام 1943م في منطقة قعطبة بمحافظة إب، لأصول تعود إلى منطقة ريدة في عمران وربما إلى آل سريح في خولان، كان قد حاول بكل ما أوتي من علم ومعارف ترسيخ المشروع الوطني القائم على المدنية، وتحجيم دور القبيلة (العائق الأكبر في تقدم البلد)، والحد من تسلطها وطغيانها واستحواذها على مهام الدولة، وهو ما جعل رؤوس القبيلة في اليمن يتخذون فعلاً مضاداً لفعله، ويتحركوا، بحسب إفادات ووثائق ومراسلات بين الشيخ الأحمر والشيخ أبو لحوم والشيخ مجاهد أبو شوارب وغيرهما، للقضاء عليه. وتؤكد بعض الوثائق ضلوع الملحق العسكري في سفارة المملكة العربية السعودية حينها، صالح الهديان (أو الهذيان)، في التخطيط للجريمة، بحسب شهادات كثير من الذين عايشوا فترة الإغتيال، وهو ما أكدته وثيقة من مذكرات الشيخ سنان أبو لحوم، وهي الوثيقة الواردة في الجزء الثالث، الصفحة رقم 2015.
وكان الحمدي، الذي ينتمي إلى أسرة اشُتهرت بالعلم والمعرفة، قد قاد ما عُرف بالتصحيح، في محاولة منه للانتقال من الوضع اليمني الراهن (حينها) إلى وضع مختلف، عبر تغيير الوجه الحضاري لليمن، والانتقال به إلى مرحلة الإكتفاء الذاتي اقتصادياً، ومحاولة جعل اليمن الشمالي نموذجاً يُحتذى به من قبل الدول المجاورة من حيث سيادة النظام والقانون والرخاء. كما أنه قد سعى إلى التقارب مع النظام الإشتراكي في جنوب اليمن، والتخطيط معه لمستقبل وطني شامل، وهو ما مثل مرحلة رعب لدى النظام السعودي، بحسب وثائق أمريكية نشرها «ويكيليكس».
وبالرغم من كونه رجلاً عسكرياً، إلا أن توجهه كان ذا طابع مدني، يهدف إلى تأسيس دولة مؤسساتية، كما أنه قد حاول نقل العاصمة إلى محافظة أخرى، لأنه رأى فيها حاضنة قبلية من جهة، ومدينة عشوائية من جهة أخرى، لا تصلح لأن تكون عاصمة لدولة آن لها أن تخرج من عباءة التخلف الذي ظل يحيط بها لزمن طويل.
والرئيس إبراهيم الحمدي، الذي كان على علاقات خارجية جيدة وصاحب توجه قومي منفتح على التجارب الوطنية العربية، قد اغتيل في 11 أكتوبر 1977م، بمعية أخيه عبد الله، قبل زيارة تاريخية كان سيقوم بها إلى الجنوب.
ويرى مراقبون أن ما يحدث من اختلالات في اليمن، منذ اغتياله، إنما هو نتيجة لصعود قوى قبلية سعت إلى تدمير كل ما أنجزه هذا الرجل، واستحوذت على الدولة بشكل كلي وغير معلن، بالرغم من ادعاءات الرئيسين اللذين جاءا بعده (الغشمي وعلي صالح) إنجاز دولة المؤسسات والانتقال إلى دولة النظام والقانون. في المقابل، يرى آخرون أن تعاظم حب الحمدي في قلوب الشعب ناتج من قصر فترة حكمه؛ إذ لو طال لانكشفت نياته، وأصبح في سلة مهملات التاريخ كسابقيه ولاحقيه من زعماء اليمن.
كان الحمدي قد دُعيَ لتناول، وجبة «الغداء الأخير» في منزل صديقه الغشمي الذي أصبح رئيساً بعده، حيث كان يتواجد عبد العزيز عبد الغني وعلي صالح وآخرون، وبعد تنفيذهم جريمة الإغتيال حاولوا لَيَّ عنق الحقيقة، وتحميلها بعداً أخلاقياً لا ينم إلا عن سوء تقديرهم، وهو البعد الذي أكد صحة وقوع الإغتيال من قبلهم.
وبعد مرور أكثر من أربعين عاماً، ما تزال الوثائق التي تكشف أبعاد الجريمة تتوالى كل يوم من الداخل والخارج، وقد تشهد الأيام القادمة ظهور مزيد منها.