توقفت صحيفة «ذا غارديان» عند الأزمة الديبلوماسية الأخيرة بين الرياض وأوتاوا، مشيرة إلى أن الخلاف السعودي- الكندي، والذي بدأ بتغريدة عبر موقع «تويتر»، «تصاعد بسرعة كبيرة»، ليشمل طرد السفير الكندي، وتعليق رحلات الطيران بين البلدين، وتجميد الصفقات التجارية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين، ومحللين متخصصين من الشرق الأوسط، قولهم إن «التدابير المتخذة من جانب الرياض، لا تتعلق بكندا على وجه التحديد، إلا أنها، وبدلاً من ذلك، تعد إشارة أوسع باتجاه الحكومات الغربية مفادها بأن أي انتقاد لسياستها الخارجية، غير مقبول».
وذكرت «ذا غارديان» أن تعرض المملكة العربية السعودية، خلال الأعوام الماضية، إلى انتقادات موجهة لها من قبل جهات دولية «حليفة» لها، «كان يتم معالجته خلف الأبواب المغلقة» للرياض، مضيفة أنه «يسود شعور في أوساط الديبلوماسيين في الرياض، وأماكن أخرى من العالم العربي، بأن القيادة الجديدة في المملكة تريد إرساء مجموعة جديدة من قواعد اللعبة الإقليمية».
وأضافت «ذا غارديان» أن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، «يشعر بأنه يحظى بالدعم (الداخلي والخارجي) لتنفيذ» تلك الأجندة، موضحة أن «إظهار القوة (السعودية) بات الشغل الشاغل» للأمير الشاب، وذلك على نحو دفعه إلى «إزعاج الحلفاء»، و«الشروع في تدشين نزاعات، من دون وجود خطة متابعة واضحة» لديه على هذا الصعيد.
وأردفت «ذا غارديان» أن «التفكير السعودي الجديد يذهب إلى أن سخاء المملكة قد تم استغلاله في ما مضى، وأن حلفاءها، ولا سيما (الرئيس الأمريكي السابق) باراك أوباما، قد خذلوها، وتجاهلوها»، شارحة أن وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة، أسهم في «تغيير المسألة برمتها»، ذلك أن السياسة الخارجية التي تبناها الوافد الجديد إلى البيت الأبيض، بصورة عامة، ومواقفه تجاه الرياض، بصورة خاصة، «أوجدت ارتياحاً كبيراً» لدى السعوديين.
وسلطت الصحيفة الضوء على العلاقات الوثيقة بين صهر الرئيس الأمريكي، جاريد كوشنير، ومحمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، موضحة أنه «في ظل وجود ترامب في البيت الأبيض، فإن المملكة العربية السعودية تدرك انها مطلقة اليدين في التعامل مع شؤونها الداخلية، وسياستها الخارجية كما تشاء، من دون وجود أي تحد علني لها، من قبل واشنطن»، كما تظهر الحرب في اليمن، والأزمة مع قطر.
وفي هذا المجال، شرحت أنه «على مر العامين الماضيين، أمضى كل من كوشنير وبن سلمان الكثير من الوقت في صحبة بعضهما البعض، وقد تعهدا على العمل معاً من أجل التغلب على بعض القضايا، ذات الحساسية البالغة في الشرق الأوسط، بما في ذلك عملية السلام الفلسطينية- الإسرائيلية، والنفوذ المتنامي لإيران»، لافتة إلى أن أياً من الرجلين «لم يحقق تقدماً» في أي من القضيتين المذكورتين، حيث أن كوشنير «لا يملك خلفية بالشؤون الديبلوماسية، والقضايا الدولية»، في حين أن نهج ابن سلمان، والذي يروج لإصلاحات شاملة، «لا يتقبل وجود أي شكل من أشكال المعارضة له».
وبحسب الصحيفة، فإن الإدارة الأمريكية الحالية «ترفض مناقشة ملف حقوق الإنسان مع أصدقائها، وخصومها على حد سواء، لأن المسألة ليست على قدر كبير من الأهمية لديها»، حيث لم يحمل رد فعل واشنطن على خلافها مع الرياض حيال الملف المذكور، «طابعاً ملزماً»، أو «زجرياً»، وذلك على خلفية امتناع السلطات الأمريكية عن إدانة اعتقال الحكومة السعودية لعدد من الناشطين، بشكل صريح، إلى جانب اتخاذها موقفاً حيادياً إزاء الخلاف السعودي- الكندي.
ورأت «ذا غارديان» أن «الحريات السياسية تكاد تكون غائبة كلياً في المملكة، فيما تتجه السلطة إلى أن تكون أكثر مركزية مما كانت عليه تحت حكم القادة السابقين للسعودية»، ملمحة إلى أن وجود «معارضة سياسية» داخل البلاد، «يبقى ضمن نطاق المحرمات في المملكة العربية السعودية»، شأنه شأن «النصائح شديدة اللهجة»، التي توجهها دول حليفة للرياض. من هذا المنطلق، شددت الصحيفة على أن الأزمة بين الرياض، وأوتاوا «باتت، وعلى نحو غير مقصود، وسيلة لتوجيه رسالة أوسع نطاقاً، مفادها: لا تتحدونا في المسائل المتعلقة بشؤوننا الداخلية». ومع أن كندا، لم تكن الدولة الوحيدة التي توجه انتقادات للرياض بسبب ملفها الحقوقي، فقد رجّحت الصحيفة أن يكون تركيز الرياض على تصعيد الأزمة مع أوتاوا، يرتبط بعدم وجود ما يمكن تخسره المملكة جراء تلك الأزمة، ولا سيما أن التبادل التجاري بين البلدين لا يتجاوز 4 مليارات دولار، فيما قد يعمد رئيس الوزراء الكندي إلى استغلال خلافه مع الرياض من أجل الدفاع عن نفسه في وجه قرار قضائي يتعلق بصفقة أسلحة موقعة مع الرياض، لتوريد 900 عربة مدرعة.
وختمت «ذا غارديان» بالقول إن «الطريقة التي تعمل المملكة العربية السعودية على إظهار نفسها من خلالها، إنما تتجذر في فهم واضح لديها بأنها تملك تفويضاً من واشنطن للقيام بذلك»، مضيفة أن «محاضرات أوباما (في مجال حقوق الانسان)، والتي كانت تزعج القادة السعوديين السابقين، لن تتكرر في ظل وجود ترامب في سدة الرئاسة». وبحسب الصحيفة، فإن حسابات الرياض تقوم على قاعدة مفادها أنه، «طالما أن الولايات المتحدة غير مهتمة، فإن آراء الآخرين لا تهم».
(العربي)