بعد مرور 40 يوماً على إقالة محافظ حضرموت السابق، أحمد سعيد بن بريك، بقرار رئاسي صدر في 29 يونيو المنصرم، وقضى بتعيين قائد المنطقة العسكرية الثانية، اللواء فرج سالمين البحسني، خلفاً له، لا تبدو حظوظ المحافظ الجديد أوفر من سلفه، سواء على صعيد إحداث نقلة نوعية ونهضة تنموية في المحافظة، أو تحسين مستوى أداء القطاعات الخدمية، كما يقول كثيرون.
فالمحافظ الجديد لم ينجز من النقاط الـ16 التي أعلن، فور تعيينه، أنها ستشكل أبرز بنود برنامج عمله لقيادة هرم السلطة في حضرموت، غير سياسة «ربط الأحزمة» والتقشف المالي في النفقات والصرفيات، كما تقول الغالبية العظمى من مواطنيه، الذين لا يعولون كثيراً على شخص الرجل في منصبه الحالي.
ولا تزال فعاليات حضرمية متوجسة إزاء قرار تعيين البحسني (62 عاماً) كمحافظ جديد لحضرموت؛ إذ تعتبر القرار الصادر عن حكومة «الشرعية» فخاً سياسياً مماثلاً للفخ الذي تم نصبه لمحافظي عدن السابقين، جعفر محمد سعد، وعيدروس قاسم الزبيدي، ومحافظ حضرموت السابق، أحمد سعيد بن بريك، بهدف التخلص من القيادات العسكرية والمدنية المحسوبة على تيار الحراك الجنوبي، والمدعومة من لدن دولة الإمارات، صاحبة النفوذ الأكبر في كل من عدن وحضرموت من جانب، وإفساح المجال لقيادات «حكومة المنفى» للقفز على طريقة «المقص» في الملعب السياسي.
آراء
وبهذا الصدد، يرى الإعلامي، محمد اليزيدي، أن توقعات الشارع في حضرموت تجاه تعيين المحافظ البحسني بدأت تتغير بشكل كبير، لاسيما مع عجز المحافظ عن مواجهة العديد من الملفات الآنية والقضايا الملحة التي تعاني المحافظة من تداعياتها، وفي مقدمتها ملفات قطاع الخدمات والأزمات الخانقة التي يشهدها هذا القطاع بشكل دائم، خصوصاً في ما يتعلق بقضايا الطاقة والكهرباء وتوفير المشتقات النفطية.
وفي منشور له على صفحته في «فيس بوك»، كتب اليزيدي: «إلى ما قبل الشهر الماضي، كان البحسني في نظر جميع الحضارم الفارس الحقيقي وقائد عملية التحرير وبطلها. كان من شبه المستحيلات حينها أن تجد حضرمياً واحداً ينتقد أداءه بأي شكل كان. أما اليوم، ومنذ توليه السلطة كمحافظ مسؤول عن توفير احتياجات المحافظة في جميع الجوانب، ومع ما تلوح بوادره من أزمات في المشهد الخدمي بالمحافظة، الكهرباء، النفط، الصحة، السيولة النقدية، رواتب المتقاعدين... إلخ، ناهيك عن استمرار مخاطر الهجمات بالمحافظة التي لا تزال في حالة حرب كما وصفها الرجل في أول خطاب له، لن يجد الشارع الحضرمي من جهة ليلقي باللوم عليها وليخرج غضبه عليها واستياءه من كل ذلك، سوى الإدارة المحلية التي يقع البحسني على رأسها».
مقارنة
وفي مقارنة بين أداء المحافظ السلف والمحافظ الخلف، يرى اليزيدي أنه من الصعب على البحسني انتهاج المسلك نفسه الذي سلكه سلفه، بن بريك، في مقارعة الحكومة. وفي هذا السياق، يتابع اليزيدي : «في السابق، كان المحافظ السابق بن بريك لا يتردد ولو للحظة في جميع خطاباته في تحميل الحكومة مسؤولية أي تدهور للخدمات، وهو الذي كان دائماً يتحجج بحقيقة أنه ومنذ التحرير لم تقدم الشرعية أي دعم يذكر لمساعدة المحافظة خدمياً. وهذا المسلك ربما قد يكون صعباً على البحسني السير فيه، لأنه وبكل بساطة من المستحيل أن يقتنع المواطن العادي بأن الرجل قبل بإدارة المحافظة دون أن يتحصل أولاً على تعهدات ملزمة للحكومة بدعم إدارته ومساندتها مالياً وخدمياً، لأنه وإن صح هذا فسيكون الأمر بمثابة ضرب من الجنون».
مصير البحسني
وبشأن مصير محافظ حضرموت الجديد، يعتقد اليزيدي، أن مصيره لن يختلف كثيراً عن مصير محافظ عدن السابق، عيدروس الزبيدي، الذي «غدرت به الشرعية». إذ يختتم منشوره بالقول: «في الماضي غير البعيد، نجحت الشرعية وأطراف أخرى في تشويه الصورة الجميلة التي كانت لدى غالبية سكان العاصمة المؤقتة عدن تجاه السيد عيدروس الزبيدي، كبطل مشارك في إنجاز التحرير، بإحراقه خدمياً وعرقلة الكثير من توجهاته الخدمية حين كان في قيادة المحافظة، لدرجة أنه لم يعد أحد في المدينة يشعر بالحرج من توجيه أقسى النقد له ولإدارته، فيما أطلقت ذات الجهات يدها للمحافظ الجديد المفلحي، فبدأت عجلة تحسن الخدمات في المدينة تدور شيئاً فشيئاً. والحقيقة أن المتابع للمشهد الحضرمي ربما لن يستغرق الكثير من الوقت ليشهد في الأفق ملامح تكرار ذات السيناريو مع البحسني».
حسابات سياسية
من جانبه، يؤكد الكاتب، صلاح السلقدي، أن مسألة إقالة المحافظين الجنوبيين تخضع للحسابات السياسية، لا غير. وكتب على صفحته في «فيس بوك» يقول: «الحسابات السياسية هي التي أقالت محافظ عدن السابق عيدروس، وليس كما يزعم البعض موضوع الفساد، وإلا لماذا أقيل محافظو حضرموت وشبوة وغيرهم من المحافظين والوزراء الجنوبين دون الشماليين، ودون الوزراء والمحافظين الجنوبيين الموالين لشرعية مشروع الأقلمة في وقت واحد؟».
ويلخص السلقدي تلك الحسابات السياسية المعتمدة من قبل «الشرعية» في: «فرض مشروع الستة أقاليم، والاستيلاء على أموال مشاريع إعادة الإعمار، علاوة على إقصاء القيادات المحسوبة على الحراك الجنوبي». ويتابع: «إبحثوا عن السبب ستجدونه سياسياً بامتياز، ومحوره محاولة فرض مشروع الستة أقاليم، يضاف إليه موضوع الإعمار الذي يسيل له لعاب اللصوص منذ سنتين تقريباً. حسناً إن كان فساد عيدروس هو تعطيل الإعمار، فما هو فساد بن بريك حضرموت؟ صدقوني لو كان هؤلاء فاسدين لما أقالوهم. فهل يحارب الفساد نفسه؟ أو يكافح البعوض الملاريا؟».
ويرى أن «هذه الشرعية بعد أن استفادت من الحراك والمقاومة الجنوبية بمرحلة الحرب كمقاتلين، ها هي تبحث عن جنوبيي ما بعد الحرب، كسياسيين لتمرير المشروع آنف الذكر. باختصار، هذه الشرعية للأسف تتعامل مع الجنوب كمخزن لقطع غيار، وقفازات يد للاستخدام المؤقت. ومع ذلك ليس اللوم يقع عليها فقط، بل بدرجة أساسية على أصحاب منطق: مع الخيل يا شقراء، من المتكتكين».
لوبي «الشرعية»
بدوره، يرى الإعلامي، صبري بن مخاشن، أن «لوبي الشرعية» الذي بدأ بعملية نشر إشاعات عن تغيير المحافظ البحسني، يسير ضمن «استراتيجية خطيرة وممنهجة، لقياس مستوى ردة فعل الرأي العام»، ويعمل نحو خلق حالة من التقبل لقرار الإقالة.
الحاكم العسكري
من جهة أخرى، يعتقد رئيس تحرير موقع «المكلا اليوم»، سند بايعشوت، أن الحاكم العسكري لحضرموت «بدأ بالتصحيح، لكنه سيتعب كثيراً إذا لم يشكل له مكتباً فنياً، وفريق عمل مصغراً». وتابع بايعشوت، في منشور له على صفحته في «فيس بوك»: «يظل المشاهد يراقب ما الذي سيحدثه العهد الجديد من تغييرات ملموسة على صعيد أداء الإدارة المحلية، في حل ملفات عالقة مثل توفير السيولة ودفع المرتبات للمتقاعدين والموظفين والمنظومة الكهربائية والمشتقات النفطية والبطالة وغيرها، والتي تتطلب حسماً دون تأخير، في تصحيح أوضاع العقار والاستثمار والقطاعات الخدمية الحيوية الأخرى».