منعطف جديد دخل به اليمن، بعد مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، في معركة عسكرية لم تتجاوز الخمسة أيام، وتمكّنت حركة «أنصار الله» من «إخماد الفتنة» بمقتل الرئيس صالح، بحسب تعبيرها، أثناء هروبه من صنعاء باتجاه منطقة سنحان، مسقط رأسه.
اليمن اليوم بعد صالح، غير اليمن قبل، وحزب «المؤتمر الشعبي العام» الذي كان صالح رئيسه غير «المؤتمر» الذي كان بالأمس. المشهد السياسي والعسكري، هو الآخر غير المشهد السياسي والعسكري بالأمس.
ويسود الوسط السياسي اليمني، حالة من الترقّب والغموض والضبابية في قراءة مرحلة ما بعد صالح، الذي حكم اليمن لثلاثة وثلاثين عاماً بالرقص على رؤوس الثعابين، واللعب على خلط الأوراق. ويجمع كثيرون أن صالح ظل حجر عثرة أمام تطور الدولة، وأن رحيله اليوم بلا شك سيحدث تغير كبير على صعيد اليمن القادم، سياسياً وعسكرياً واجتماعياً.
إذاً كيف سيبدو اليمن بعد صالح؟ سؤال طرحه «العربي» على بعض الناشطين السياسيين والقيادات السياسية.
نهاية الحرب؟
المحلل السياسي، عبد الهادي العزعزي، وفي إجابته على السؤال يقول: «مرحلة جديدة من تاريخ اليمن الحديث ومرحلة جديدة من العلاقات مع التحالف وخصوصاً السعودية، نحن أمام مرحلة تاريخية مختلفة، وأنا أعتقد اليوم، أنه بهذا الرحيل وبهذا التطور بدأت تكتب نهاية الحرب».
ويضيف «اليوم تكاد تكون فبراير والتغيير الذي تم التغني به، تكتب ملامح القادم، يمن ما بعد العلاقات والارتباطات التى شكلها صالح، وثلث عقد من سلطة الفرد».
ويذهب العزعزي، للقول: «سقطت فكرة تقسيم اليمن إلى إقليمين، وستتفكك اليوم تحالفات مالية وقوى معتقة وشبكات مصالح كبيرة، وسنكون أمام أفق جديد للحياة السياسية للمؤتمر الذي شطره صالح إلى قسمين... خلّصوا المؤتمر من ثقل القوة العسكرية التى كانت تحسب له وهي تتبع صالح، وبالتالي هذا تحرر للحزب إن أراد الاستمرار كحزب شبه ليبرالي في اليمن مستقبلاً».
بمقتل صالح، وبحسب العزعزي، «سوف تتساقط مجموعات فساد النظام السابق وشبكة مصالحه التى كانت ستكلف الشرعية الكثير لتفكيكها، نحن أمام مشهد مختلف تماماً في التاريخ اليمني، سوف يولد بكل قوة دولة وطنية لها إجماع سياسي».
آلية حكم جديدة
أما الناشط السياسي، خالد بقلان، فيقول «أجزم أن مقتل صالح هو بداية لتحول كبير في مسار طبيعة المعركة لصالح الشعب، ليس لأن صالح مؤثر أو يملك قاعدة شعبية، بل بالعكس لقد منح الرئيس السابق الحوثيين بتحالفه معها غطاء سياسياً وجزء من المشروعية كونه رئيس حزب يمتلك أغلبية ساحقة في مصدر التشريع ممثل في مؤسسة البرلمان، إلى جانب توظيفه لمجموعة من الملفات التي وثقتها مخابراته، وهي ملفات أخلاقية، لا شك استطاع أن يضغط على عديد من الشخصيات والقيادات العسكرية التي كان من الممكن أن تنحاز مبكراً للشرعية».
ويضيف بقلان، في حديثه مع «العربي» عمّا بعد صالح، بالقول «هو بالتأكيد ليس كما قبله، وينبغي انتقاء قيادات عسكرية مؤهلة بغض النظر عمّا يسوّقه الكثير من نخب الشرعية ورموزها التي تسعى لفرض خيارات تحت مسميات الانتماء القبلي أو المناطقي لأن مثل هذا التسويق لا يعدو كونه توزيع للوهم ويساهم في تمدّد حركة الحوثي، لأن الشارع اليمني أصيب بالخيبة والملل من مراكز القوى والنفوذ، وبات لا يطيقها»، معتبراً أنه «من الخطأ الاستمرار في خوض معركة تقليدية وفق آلية علي محسن، المعروفة عن طريق تمكين الأبناء مراكز نفوذ وشراء ولاءات. فلا يمكن أن تنتصر إن لم تتخذ آلية جديدة تعتمد على الكفاءة والتأهيل والبناء الصحيح».
وبحسب بقلان، فإن الامور ستظل إلى حد ما كما هي ولن تتغيّر بموت صالح، إذا لم تحدث تغييرات في قيادة «الشرعية»، و«الجيش الوطني»، والحكومة، ويبقى ذلك مرهوناً بإعادة هندسة «الشرعية» والمضي وفق رؤى وبرامج، وليس خلف مزاجات سياسية أو نخبوية.
تحوّل هائل
أما المحلل السياسي، ماجد المذحجي، فيرى بأنه «سيتغير شكل اليمن بمقتل صالح، وسيجري تحول كبير وهائل ولا يمكن تجاوز الأمر بسهولة»، ويعتقد أن «هناك فراغاً سيخلّفه الرجل الذي لطالما كان داهية حقيقي في المجال السياسي، وصانع تحولات وقرارات، وصانع شخصيات».
وقال المذحجي لـ«العربي» إن «سنشهد مؤتمراً شعبياً عاماً آخر. صالح كان الناظم الحقيقي لهذا الحزب ولا أدري كيف سيبدو من دونه، لذلك أعتقد أن مؤتمر اليوم غير مؤتمر البارحة، ما لم يتم تطوير عمله»، متسائلاً «مَن سيملأ الفراغ ويكون بحيوية صالح وقدرته على جمع تلك الشخصيات»، ويقول «لا يبدو واضحاً كيف سيدار ولاء القوات التي كانت تدين شيء من الولاء له، خصوصاً في ظل غياب نجله أحمد حتى الآن».
بعيداً عن عائلة صالح
بحسب المعلومات، فإن أحمد، نجل صالح، من المتوقع أن يكون خليفة والده في «المؤتمر»، وهذا ما لا يريده يمنيون كثر ويعتبرونه أمراً غير مجدٍ، ويعتبرون أن «المؤتمر الشعبي العام» بحاجة إلى قيادة من خارج مربع أسرة صالح، حتى لا يظل «هاجس التوريث والشخصنة التي صنعها صالح طوال فترة حكمه».
القيادي في أحزاب «اللقاء المشترك»، والأمين العام لحزب «اتحاد القوى الشعبية»، يقول لـ«العربي»، إن «المراهنة على أحمد علي هي كما المراهنة على بشار بعد أبيه، وهذا حديث خطير ويفترض الآن البحث عن قيادة للمؤتمر الشعبي العام من خارج هذه الأسرة، لأنها أصبحت حزينة وأي حزين لا يمكن له أن يفكر بشكل دقيق ولا يقود العملية بشكل سليم بعيداً عن البحث عن الثأرات، وهذا بعينه سيقود إلى طرق غير سوية».
فرصة لـ«التحالف»؟
سياسياً، وبحسب المحلل السياسي، باسم الحكيمي، فإن المشهد بعد مقتل صالح صار أكثر وضوحاً، خصوصاً لدى «التحالف العربي» و«الشرعية»، حيث سيصبح التعامل الآن مع طرف واحد في صنعاء، بدلاً من طرفين، وبدون غطاء سياسي من «المؤتمر الشعبي العام».
أما على المستوى الآخر، فتتحدث «الشرعية» وحكومة هادي، عن أنه بعد صالح يتوجّب قيادة المعركة عسكرياً لإحراز النصر، وتدعو قيادات «المؤتمر الشعبي العام» إلى الانضمام إليها لمواجهة حركة «أنصار الله».
وتحدث الرئيس هادي في هذا السياق عن عملية عسكرية أطلق عليها اسم «صنعاء العروبة»، ويقول إنه عبرها «سيقوم بتحرير صنعاء»، في حين أن «أنصار الله» ترد بالقول «لو كانت شمس كانت أمس».