لا شك في أن الأحداث الدراماتيكية العسكرية التي شهدتها صنعاء مؤخراً، والتي قُتل فيها الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، وهُزمت قواته أمام قوات الحوثيين هناك، قد أضافت مزيداً من التعقيد والصعوبة للأزمة اليمنية المعقدة والصعبة أصلاً بوجه الجميع، بمَن فيهم دول «التحالف»، التي تخوض حرباً عصيبة وغامضة الأهداف والمصير منذ قرابة ثلاثة أعوام.
هذا التعقيد الحاد في الأزمة، والغموض الذي يكتنف مستقبل البلد المنهك، يسحب نفسه بقوة على المشهد السياسي في الجنوب ليزيده تأزماً واضطراباً، ويضفي على مستقبله السياسي مزيداً من الضبابية والتشويش في ظل تسارع المتغيرات والتقلبات السياسية الحادة داخلياً وإقليماً على وقع ارتدادات زلزال صنعاء الأخير وما قبله.
تنفرط تحالفات وتتشكل أخرى بصورة لافتة بين القوى اليمنية والإقليمية، وتتبادل كثير من الأطراف داخلياً وخارجياً مواقعها بين الخصومة والتقارب والعكس. يُزاح الجنوب على إثر ذلك شيئاً فشيئاً من رأس قائمة اهتمامات «التحالف»، بعدما قضى الأخير وطره من الجنوب خلال فترة الحرب، وما زال، بثمن زهيد بفعل تراخي كثير من القيادات الجنوبيين وسذاجتهم.
فعلى قاعدة «لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة في مضمار السياسة»، يُـعدّ «التحالف» - ودولة الإمارات بالذات -، على نار هادئة، طبخة تحالفات سياسية وعسكرية جديدة في اليمن، أهمها إشراك بعض خصوم الأمس من «المؤتمر الشعبي العام»، حزب الرئيس السابق صالح، والموالين له من بعض شيوخ القبائل، وعدد من القيادات العسكرية والأمنية والمدنية الأخرى بقيادة نجله العميد أحمد علي، ليشكّـلوا بذلك الحصان الأسود لـ«التحالف» على المستويين العسكري والسياسي في قادم الأيام والأعوام.
سيكون العميد أحمد رأس حربة هذه الشراكة الجديدة سياسياً وعسكرياً، والحليف السياسي الأبرز في مواجهة حزب «الإصلاح»، الخصم السياسي اللدود للإمارات، والعدو الفكري العقائدي للمؤسسة الدينية السعودية الحاكمة، بعدما خلت له الساحة السياسية، أو توشك، بعد مقتل صالح - على الأقل شمالاً -، حيث يرى أن المستقبل سيكون له من دون منازع قوي حزبي وسياسي قوي. فغياب صالح يعني بالنسبة لـ«الإصلاح» تلاشي حزب «المؤتمر»، حزب «الرجل الواحد»، «حزب السلطة»، الحزب الافتراضي الفاقد لميزة التنظيم والعقائدية، وهذا الأمر هو ما فطن له «التحالف» مبكراً منذ مقتل الرجل وما قبل مقتله، وشرَع يتعاطى على أساسه مع هذا الموقف بجدية.
وبالعودة إلى تحالفات اليوم، فصحيح أنه حتى الآن، وبعد مرور أكثر من عشرة أيام على مقتل صالح، وانكسار قواته في صنعاء، لم نرَ انضماماً كبيراً لهذه القوات نحو معسكر «التحالف» وقوات «الشرعية»، سلطة الرئيس هادي، وحزب «الإصلاح»، ولم تعلن - حتى اليوم على الأقل - كثير من قيادات الحزب - إلا في نطاق ضيق - اعترافها بـ«شرعية» هادي ودور «التحالف» و«شرعية» هذه الحرب وانضوائها تحت لوائه، إلا أن القادم، ومن إرهاصات الحاضر، يشي بأن ثمة مواقف سياسية ستعلنها بعض هذه القيادات، خصوصاً القيادات الحزبية والقبلية والعسكرية التي دأبت على تغيير مواقفها عند كل منعطف سياسي باتجاه الطرف الأكثر دسومة ونعيماً، وبالتالي قد نرى هجرة من هذا الطرف نحو الضفة الرغيدة على جبهة «التحالف» و«الشرعية»، ليكتمل بذلك اصطفاف شركاء حرب 94م على الجنوب من «مؤتمر» و«إصلاح» وجماعة هادي النفعية بشقيها الجنوبي والشمالي في جبهة واحدة اليوم، ويجد «الحراك الجنوبي» والمجلس «الانتقالي الجنوبي»، بل الجنوب برمته، نفسه بين خيارين أحلاهما علقم: إما الاصطفاف تحت تأثير وخوف سيف «التحالف» وذهبه مع شركاء حرب 94م، وإما يواجه الغضب الخليجي وربما طائراته.
أو هكذا يبدو أن القوى الإقليمية تريد أن تحشر الجنوب عنوة بين حجرَي رحى: إما الانقياد لمشاريعها التي لا تمت بصلة للمشروع الجنوبي التحرري، وإما الحرب بصورها المتعددة.
وفي حال قبول الجنوب بالانضواء تحت خيمة تحالف «كوكتيل الخصوم»، ومضى بذلك إلى النهاية، أي إلى أن يحقق هذا «التحالف» وهذه «الشرعية» غايتهما، سواءً بإسقاط صنعاء عسكرياً أو بإخضاعها لتسوية سياسية تفضي إلى رسم خارطة سياسية يمنية جديدة، سيكون من الصعوبة أن يواصل «المجلس الانتقالي الجنوبي»، المفترض أنه الأكثر التصاقاً وتحالفاً مع دول «التحالف» كالإمارات، الضغط باتجاه مشروع جنوبي يتجاوز الدولة الاتحادية من أكثر من إقليمين، وفي حالة رفضه الانخراط بمثل هكذا تحالفات، لا تفضي إلى التطلعات التي لطالما نادى بها، سيكون في مرمى فوهة المدفعية الخليجية كما أسلفنا.
لكن يظل من حُسن الطالع الجنوبي أنه ما تزال في ساحته السياسية والثورية ومقاومته قوى فاعلية وصلبة متمسكة بقضيتها، برغم عبئ الحروب السياسية والإعلامية الهائلة التي تتعرض لها منذ بداية الحرب. ومع ذلك، لم تتمكن القوى الإقليمية واليمنية من احتوائها كما فعلت مع بعض القوى الجنوبية الأخرى. وبالتالي، يظل ثمة أمل ببقاء القضية الجنوبية في غمرة هذا الوضع المتقلب والمشوش في الواجهة ويصعب تجاوزها. وفي طليعة هذه القوى الجنوبية الثورية الصلبة المجالس الحراكية (الثوري والأعلى).
القوى الجنوبية المختلفة، من حيث أرادت أو لم ترد، قد انتهجت فلسفة توزيع المهام، أو بالمفهوم السياسي الشائع توزيع الأدوار، بين أجنحتها المتفرعة منذ بداية الحرب. فمنها من انخرط كلياً في صف «التحالف» و«الشرعية»، وتماهى معهما إلى حد كبير، واستطاع ولو بشكل جزء ترسيخ شيء من القدَم الجنوبية على الأرض وانتزاع بعض المكاسب السياسية. ومنها من ظل متمسّكاً بصلابة بجوهر القضية. وهذا الأخير، وفي ظل المراوغة الخليجية، ونسج تقاربها مع كل القوى اليمنية التي سامت الجنوب قهراً وذُلاً وأوسعته نهباً منذ عام 94م، تظل هي القوى الحراكية الثورية التي تمثل بحق صمام أمان القضية الجنوبية.