مجدداً، اتجهت الأنظار إلى الساحل الغربي لليمن، وتحديداً إلى مدينة الحديدة، حيث أطلقت القوات الموالية لـ«التحالف» عمليات عسكرية جديدة تستهدف الوصول إلى ميناء الحديدة، وإحكام السيطرة عليه، بهدف قطع الشريان الحيوي الذي تستمد منه صنعاء أسباب الصمود. لكن تلك العمليات لم تصمد لأكثر من أيام معدودات، بعدما أطلقت «أنصار الله» عمليات مضادة استطاعت من خلالها وقف الهجوم على الحديدة، ومحاصرة القوات المهاجمة في منطقة ضيقة من مديرية الخوخة. فإلى أين تتجه معارك الساحل الغربي اليوم؟ وهل اليمن مقبل على تطورات دراماتيكية على المستوى الميداني؟
الناطق الرسمي باسم قيادة المنطقة العسكرية الرابعة، الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي، محمد النقيب، يقول، في تصريح لـ«العربي»، إن «هذه المعركة لم تكن وليدة اللحظة، بل تم الإعداد والتحضير لها منذ وقت مبكر، وانطلقت بخطة عسكرية وإنسانية واسعة وشاملة، يشرف عليها فخامة رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي، والقيادات السياسية والعسكرية العليا، وهي ماضية حتى تحرير كافة تراب الوطن من المليشيات الانقلابية». وحول القوات المشاركة في المعركة، يشير النقيب إلى أن «الكتائب التهامية تشارك بشكل كبير جداً، بالإضافة إلى أبطال المقاومة الجنوبية». ويلفت إلى أن هذه العمليات «تأتي لإنقاذ الوضع الإنساني المتدهور الذي وصل إليه أبناء المدينة، جراء تسلط وابتزاز المليشيات الانقلابية الحوثية لهم، واستمرار بقائهم تحت سلطة المليشيا سيضاعف من تردي الحالة الإنسانية».
أما ما تحقق على الأرض فلا يقدم النقيب معلومات واضحة بشأنه، إنما يكتفي بالحديث عن أنه «بفضل وحدات من الجيش الوطني، أو ما تسمى بقوات العمالقة، والتي بالطبع معظم منتسبيها جنوبيون، إضافة إلى مشاركة المقاومة الجنوبية، وحضور قوي للمقاومة التهامية التي هي أيضاً تشارك وبقوة، هناك تحولات جبارة على الصعيد العسكري، وسيكون هناك تحرك جاد للملف السياسي، يعني أن الاستعصاء الذي كان لدى الحوثيين أعتقد أنه سيتفكك، سيتحولون إلى طالبي هدن وتسوية سياسية بسبب ما أصابهم من الداخل، الآن المقاومة هي بالداخل، في النخاغ الشوكي، بالإضافة إلى هذه التقدمات والمعارك في الساحل الغربي».
من جهته، يذهب الخبير الاستراتيجي، علي الذهب، في حديث إلى «العربي»، إلى القول إن «معركة استعادة الحديدة تأخرت كثيراً، ولربما كانت هناك أسباب معقولة لهذا التأخر يطول شرحها، لكنها كشفت أن وجود الرئيس السابق، علي صالح، كان أقوى الأسباب؛ إذ بمقتله باتت الطريق سالكة إليها، بعد أن وجد مناصروه أنهم يقاتلون في صف من قد يقتلهم متى واتته الفرصة للاستغناء عنهم، كحال زعيمهم». ويتابع الذهب أن «تقدم القوات العسكرية الموالية للشرعية في الساحل الغربي يكشف انهيارات صفوف الحوثيين كنتيجة منطقية لأحداث صنعاء التي راح ضحيتها الرئيس السابق»، معتبراً أن «المعارك الحالية هي مقدمة أو خطوة على طريق استعادة المدينة، أما قرار الهجوم عليها ففي طور التحضير على ما يبدو؛ لأنه في اللحظة التي ستهاجم فيها المدينة فلن يكون الأمر بهذا السكون والتقدم المخملي، بل سيكون من أكثر من جبهة، وسيلاقي الجيش الوطني مقاومة شرسة قد تطول معها المعركة لأيام، لكن النتيجة محسومة سلفا للأقوى».
ويرى الذهب في التحذيرات الدولية من تأثيرات معركة الحديدة الكارثية على المستوى الإنسانية «ابتزازاً سياسياً»، مقراً في الوقت نفسه بـ«حقيقة المخاوف التي يتحجج بها ممارسو هذه الضغوط، لجهة التداعيات المختلفة التي ستخلفها المعركة على حياة ومعيشة سكان المدينة والمحافظة برمتها»، مستدركاً بأن «هذه المعاناة قد تكون مؤقتة في حال تم الحسم سريعاً، وكان هناك خطة شاملة لإدارة المدينة بعد استعادتها».
في المقابل، يعتبر الناطق باسم القوات الموالية لحكومة الإنقاذ، العقيد عزيز راشد، في حديث إلى «العربي»، أن «ما يجري في الساحل الغربي هو محاولة من العدوان للفت الأنظار إلى الساحل الغربي، من أجل عمل سياسي، مستغلاً ما حصل في صنعاء وفي بعض المحافظات من وأد للفتنة، وبالتالي اختلق هذه العملية من أجل الترويج الإعلامي للانتصار في تلك المناطق، وتقدم إلى منطقة الخوخة في الساحل الغربي، وحاول أن يتقدم إلى مناطق الهاملي تحت غطاء جوي كثيف، وما إن انتهى ذلك الغطاء الجوي حتى تم دحره من قبل أبطال الجيش واللجان الشعبية من تلك المناطق، ونكلوا بالعدو أشد تنكيل بعد فرحة قصيرة لم تدم ساعات».
وأكد راشد أنه «تم دحرهم من مدينة الخوخة بالكامل، ولم يتبق سوى جيوب صغيرة تتم معالجتها من قبل قوات متخصصة في هذا الجانب، ولا قلق على الساحل إطلاقاً ما دام أن رجالنا في يقظة كاملة في جميع الجبهات، وهناك انتصارات كبيرة». وأشار إلى أنه «سبق وأن حذر قائد الثورة، السيد عبد الملك الحوثي، ورئيس المجلس السياسي الأعلى، صالح الصماد، من التقدم صوب هذا الشريان للأمن الغذائي اليمني، الذي على الرغم من أنه الوحيد إلا أنه لا زال متقطعاً، وإن حاولوا أن يتقدموا نحو الحديدة سيكون هناك رد استراتيجي، ستُستخدم فيه صواريخ مندب وصواريخ بحرية، وكذلك سوف نستهدف مواقع حيوية وهامة، وستكون (هذه الضربات) أكثر إيلاماً من سابقيها». وأضاف أن «البارجات السعودية والإماراتية على وجه التحديد ستكون في مرمى القوات الصاروخية على امتداد الشريط الساحلي»، لافتاً إلى أن «أبناء الحديدة الذين حاصرهم المرتزقة في أقواتهم، ومنعوهم من الاصطياد، واستهدفوهم وقتلوا الكثير منهم، لديهم حس وطني عال، فهم يرفدون الكثير من الجبهات والمعسكرات بالآلاف، وسيكونون يداً واحدة مع الجيش واللجان الشعبية في مواجهة العدوان ومرتزقتهم».
من جانبه، يرى المحلل السياسي، ياسين التميمي، في حديث إلى «العربي»، أن «التحرك العسكري في هذه الجبهة يأتي في إطار التضييق على الحوثيين، بعدما أحكموا السيطرة على صنعاء، وأجهضوا التحركات العسكرية لصالح، والتي كانت مدعومة من التحالف، بهدف استعادة العاصمة صنعاء دونما حاجة لمعركة هي في حسابات التحالف الضيقة تدعم النفوذ السياسي لقوى ثورة فبراير وفي مقدمتها حزب الإصلاح». ويعرب التميمي عن مخاوفه من «الخطاب الإعلامي الذي يحرص على تكريس المعركة باعتبارها مهمة تخص الإمارات وتوابعها من مقاومة جنوبية وتهامية، مع التركيز على انضمام مزعوم للمقاتلين من أنصار صالح إلى المعركة، تزامناً مع أنباء عن دور لأحمد علي عبد الله صالح المقيد بعقوبات الأمم المتحدة في قيادة هذه المعارك». ويعرب عن اعتقاده بأن «لهذه المعركة أجندات عديدة، بعضها يتعلق بصراع النفوذ الدائر بين الشرعية والتحالف، وبين دول التحالف نفسها».