الحديدة، بلد الملونين والمهمشين والمستضعفين، الذين لا يثورون ولا يقطعون طريقاً ولا يحاربون، بلد الطمأنينة والبساطة. إنها مساحة جغرافية مُسالمة للغاية. تمتد على الساحل الغربي المُطل على البحر الأحمر، وتتكون من جُزر وسهول وجبال.
تنوعها الجغرافي جعلها مصدراً أساسياً لتغذية ميزانية اليمن بأكثر من 30 بالمائة من مواردها؛ فالمحافظة تشتهر بالزراعة وصيد الأسماك والثروة الحيوانية الأكثر جودة في البلاد.
الجوع يمشي حافياً
وعلى الرغم من تنوع الموارد الغذائية الطبيعية في الحديدة، إلا أنها عانت وما زالت تعاني من مجاعة مخيفة. انتشرت، قبل فترة، صور الأطفال الجائعين فيها. أطفال رُضّع شديدو النحافة يعانون من سوء تغذية حاد. أطفال آخرون ماتوا من الجوع المُرعب جدًا هناك، هذا الجوع الذي يُعدّ أهم نتائج الحرب غير المباشرة. فاختفاء المشتقات النفطية وارتفاع سعرها في السوق السوداء، أدى إلى توقف الدخل الأساسي لأبناء المحافظة.
لم يتمكن الصيادون من توفير احتياجاتهم النفطية، فخسر الكثير منهم مصدر دخلهم، بينما آخرون من أبناء المحافظة خسروا أعمالهم، التي يتركز أغلبها في سواقة عربات أجرة أو دراجات نارية، وكّها تحتاج إلى النفط.
المزارعون بدورهم عانوا كثيراً، فمنذ احتجاجات 2011 لم تتعافَ الزراعة، حيث عانت انعدام المشتقات النفطية مرات متلاحقة، فيما لم تعمل حكومة الوفاق على دعم المزارعين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مشاكل اقتصادية تؤثر على الإنتاج المحلي من جهة، ومن جهة أخرى تضاعف تكاليف نقل المحصول للمستهلك، بفعل إغلاق منافذ التصدير بعد دخول حركة «أنصار الله» إلى تهامة واندلاع الحرب فيها.
تراجعت الزراعة بشكل كبير، لاسيما هذا الموسم، فقد وجد المزارعون أنفسهم مرغمين على بيع منتجاتهم داخل الأسواق اليمنية فقط، ما أدى إلى تكدسها، وبالتالي انخفاض سعرها. وزادت خسارتهم بعد إنفاقهم الملايين من أجل توفير المشتقات النفطية لري الأشجار. وأمام هذه الخسائر التي واجهها أبناء الحديدة وفقدان أعمالهم ذات الدخل اليومي، تُركوا ليواجهوا الجوع والموت. هكذا ، أُهمل أكثر من 3 ملايين و200 ألف مواطن بحسب إحصائيات 2004.
إغاثة دولية... بشروط
كانت بواخر منظمات الإغاثة ترسو في ميناء الحديدة، ثم تمر منها إلى محافظات أخرى (تقع تحت سيطرة الشرعية) كشرط إغاثي. هذا الأمر دفع بـ«أنصار الله» لعدم السماح للإغاثات بالدخول في الأشهر الأولى من «العاصفة»، مشترطين أن يتم توزيع الإغاثة لكل المحافظات من دون تمييز، إلا أن الشرط لم يتم تطبيقه، فظلّت الحديدة بدون إغاثة حتى فترة انتشار المجاعة التي دفعت باليمن لتحتل المركز السابع في تصنيف مؤشر الجوع العالمي 2016، بنسبة جوع بلغت 35 بالمائة، ما أدّى إلى لفت أنظار المجتمعَين المحلي والدولي إلى الوضع الكارثي هناك، لاسيما بعد موجة السيول الجارفة التي ضربت مديرياتها.
وعلى الرغم من هذه المآسي، استقبلت الحديدة أعداد النازحين، سواء أولئك الذين هربوا من معارك تعز وعدن، أو أولئك الذين هربوا من القصف الجوي الذي تعرضت له حجة وصعدة وصنعاء من مقاتلات «التحالف العربي». هذا النزوح أدى إلى عبء اقتصادي جديد على المحافظة، فمخزونها السنوي من الغذاء تم استنفاده سريعاً، وبسبب زيادة الطلب وقلة العرض، ارتفعت الأسعار في المحافظة بشكل مُخيف، حيث تم تسجيل أعلى نسبة ارتفاع في أسعار المواد الأساسية خلال العام الماضي 2016 مقارنة بالعام 2015 فقط، بمتوسط ارتفاع بلغ 35 بالمائة.
ميناء الحرب والسلام
هو ميناء تجاري ورئيس ونقطة عبور دولية، يستقبل من 70 إلى 80 بالمائة من واردات اليمن، مما يعني أن هُناك تدفقاً مالياً ضخماً يأتي عبره. فخلال الثلاثة الأشهر الأولى من العام الجاري، بلغت الإيرادات 6 مليارات ريال، كواحدة من أهم موارد الدولة في الوضع الحالي، من واقع إيرادات عامة لا تتجاوز 7 مليارات ونصف مليار، ما يعني أن 80 بالمائة من نسبة إيرادات اليمن تأتي من جمارك ميناء الحديدة.
وتقدّم المبعوث الأممي إلى اليمن، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، قبل أشهر ، بـ«خارطة سلام» جديدة لليمن مفتاحها الميناء، حيث اعتمدت الخارطة على عمودين: «الأول عسكري، ينص على تشكيل لجنة من قيادات عسكرية مُحايدة مقبولة من طرفي النزاع، ويتولى أعضاؤها ضبط الأمور الأمنية والعسكرية. والثاني اقتصادي، ينص على تشكيل لجنة اقتصادية مالية يوكل إليها التعامل مع كل ما يصل الميناء من مداخيل».
وبحسب المقترح، يكون من مهام اللجنة الاقتصادية تسهيل دخول البضائع والمواد الإغاثية، وضمان إيصال الإيرادات إلى البنك المركزي من أجل ضمان صرف الرواتب، وعدم استخدام تلك الإيرادات في الحرب أو في منافع شخصية، وهو ما رأت فيه «أنصار الله» محاولة لمساومة اليمنيين على رواتبهم.
وإلى جانب هذا الميناء، تملك الحديدة ميناء «الصليف» الذي يُعدّ واحداً من أهم الموانئ الاستراتيجية في اليمن، وميناء رأس عيسى، وهو أول ميناء تم إنشاؤه وضخ النفط إليه. هذه الموانئ، بالإضافة إلى الثروة البحرية والحيوانية والزراعية، جعلت الحديدة واحدة من أهم روافد الاقتصاد في اليمن، ومركزاً رئيساً للنشاط الاقتصادي، ومحطة هجرة داخلية.