ربما كان اليمن، ولا يزال، أبرز الملفات التي حضرت في واجهة الأزمة الخليجية مع قطر، وربما أخذت صور المواجهة بين الرياض وأبو ظبي من جهة، والدوحة من جهة أخرى، مساحتها في وسائل الإعلام الخليجية، ولكن الملاحظ هو أن الحرب بين الطرفين، إعلامياً وسياسياً، توقفت عند حد معين فيما يتعلق بقضاياهم الأساسية، لتستمر المواجهة بينهم في إطار تدخلاتهم في حرب اليمن.

تعد قطر ثاني دول الخليج، بعد السعودية، في ملف بناء تحالفات مع قوى سياسية وأحزاب يمنية، وللدوحة كما الرياض أجندات سياسية في اليمن وحسابات على مستوى المنطقة، وربما التنافس بين الرياض والدوحة في مسألة التحكم بصناعة القرار اليمني، كان واحداً من الأسباب التي قادت نحو تفجير الأزمة الخليجية مع قطر. لكن ثمة علامات استفهام ترسم حول الدور القطري في اليمن بعد الأزمة الخليجية، وبعد إعفائها من المشاركة في «التحالف العربي» الذي تقوده السعودية، بل أيضاً بعد إعلان «الشرعية» مقاطعتها للدوحة دبلوماسياً، ومن بين تلك الأسئلة: من خسر الآخر؟ وما الذي تغير؟ هل غابت قطر ووضعت أمامها الأسوار في علاقاتها مع حلفائها في اليمن أم أن قطر وسعت تحالفاتها ولا تزال تحتفظ بحضورها؟ ما هو وما طبيعته؟

على المستوى العام، يبرز دور قطر الإعلامي بشكل كبير، حيث تلعب الدوحة دوراً بارزاً، عبر وسائل إعلامها التي كثفت من تغطياتها على جوانب التدخل السعودي والإماراتي في اليمن والأجندات التي تتحرك في إطارهما، إلى جانب الأخطاء التي ترتكب من قبل «التحالف» بحق المدنيين وبحق المدن والجزر. وفي نظر مراقبين، فإن هذا الدعم الإعلامي الذي قدمته قطر لخصوم الرياض وأبوظبي «ليس بسيطاً»، ويعد «انتصاراً للطرف الآخر»، المتمثل بـ«أنصار الله»، التي فتحت قطر معها صفحة تعاون مشتركة في مواجهة «التحالف»، والمساعي التي تقوم بها الدول المشاركة فيه ع«لى طريق الاستعمار والسيطرة» على المدن اليمنية والموانئ والجزر. وعلى هذا المستوى، ينشط جناح في تيار «الإخوان المسلمين» في مواقفه إلى جانب قطر، منذ الأيام الأولى للأزمة الخليجية، وهو تيار صار واضحاً وكبيراً، وفي واجهته الناشطة توكل كرمان، الحائزة على جائزة «نوبل» للسلام، ما يؤكد أن النفوذ القطري لا يزال حاضراً في اليمن، ودور الدوحة لم يغب مع غيابها عن «التحالف».
إجتماعات في الدوحة
معلومات «العربي» الواردة من الدوحة، تفيد بلقاءات مستمرة بين قيادات سياسية يمنية ودبلوماسية، وبين مسؤولين ودبلوماسيين قطريين، حيث تؤكد مصادر سياسية أن هناك تنسيقاً عالي المستوى في مواجهة الرياض وأبوظبي في اليمن، سياسياً وإعلامياً. وتفيد المصادر في الدوحة بأن الانطباع الحاصل في قطر يشير إلى أن «التحالف العربي خسر خسارة كبيرة بإعفاء قطر من التحالف، خسارة إعلامية وسياسية، حيث تعتبر الدوحة نفسها أنها كانت ضابط إيقاع في المسألة السياسية اليمنية»، وتعتبر قطر أنه «بعد استبعادها ظهرت اختلالات عديدة في التحالف العسكري»، الأمر الذي يفسر بحسب المصادر بأن «افتعال الأزمة الخليجية كان لأغراض منها التفرد في المسار اليمني بأجندة خفية وجديدة وغير تلك المعلنة من التحالف».
«الشرعية» تعترف بخسارتها قطر
إلى أحد قيادات «الشرعية» في الرياض توجه «العربي» بسؤال: ما الذي خسرته «الشرعية»من إعلان مقاطعتها لقطر؟ وما الذي كسبته؟ وكذلك «التحالف العربي»؟ يجيب الرجل: «على مستوى التحالف العربي ربما كانت قطر تقدم دعماً عسكرياً رمزياً، وليس بذاك الشكل الكبير، ولذا لم يشعر التحالف أنه خسر شيئاً كبيراً، لكنه يشعر بأن الدعم الإعلامي الذي كانت تقدمه قطر هو الخسارة الحقيقية ربما».
وبشأن ما إذا كانت «الشرعية» كسبت أو خسرت، يجيب الرجل: «الشرعية بلا شك تشعر أنها خسرت نوعاً ما، فقطر كانت تكفلت برواتب جميع الموظفين اليمنيين في الخارجية اليمنية وفي جميع السفارات والملحقيات الدبلوماسية، والمبلغ الذي اعتمدته قطر مقابل ذلك مقداره 43 مليون دولار، سنوياً، وكانت قطر قد دفعت الربع الأول من هذا المبلغ، ولكنها وقفت الصرف قبل اندلاع الأزمة الخليجية بوقت قصير، إلى جانب ذلك كان هناك دعم مادي آخر تقدمه قطر، وجزء من هذا الدعم كان يقدم في مجال الصحة والإغاثة، خصوصاً في مدينة تعز».
وتفيد مصادر سياسية في «الشرعية» بأن الدوحة وعدت الرئيس هادي بدعم اقتصادي كبير، وكان من المفترض أن تحصل «الشرعية» على هذا الدعم لولا الأزمة الخليجية مع قطر، التي أجبرت «الشرعية» على إعلان مقاطعتها لقطر دبلوماسياً، مبررة ذلك بأن «قطر تدعم الحوثيين»، كما جاء في بيان المقاطعة الصادر من قبل «الشرعية» آنذاك.
«التحالف» منزعج من قطر
إنزعاج «التحالف العربي»، الرياض وأبوظبي، من ممارسات قطر و«حربها الإعلامية» التي تشنها وسائل الإعلام القطرية، أكدته تصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، قبل أمس الإثنين، والتي هاجم فيها قطر، من جديد، ودافع عن ممارسات «التحالف العربي» بقيادة بلاده في اليمن.
وقال الجبير، في خلال مؤتمر صحافي مع نظيرته النمساوية كارين كنيسل في فيينا: «لدينا مشكلة مع قطر، وإلى الآن لم تغير قطر سلوكها»، مضيفاً: «على قطر أن توقف تمويلها ودعمها للإرهاب، فهم ينشرون أيدلوجيا الكراهية والإرهاب، ويفعلون ذلك في عدد من الدول»، وتابع بالقول: «إذا فعلت ذلك، وأوقفت دعمهما للإرهاب، فسنكون مستعدين لاستئناف العلاقة الطبيعية معها»، حسب قوله.
وردا على انتقادات حقوقية توجه إلى ممارسات «التحالف» في اليمن، قال الجبير: «نبذل قصارى جهدنا لتحقيق تقدم في اليمن»، متابعاً: «أعلنا عن إطلاق عملية إنسانية شاملة في اليمن، ونعمل على فتح كل الموانئ»، وزاد بالقول: «اليمن جار لنا، ونعمل على تحسن وضعه، وندعم مهمة المبعوث الأممي هناك».
إنعكاسات الأزمة على الصحافيين والناشطين
يؤكد صحافيون وناشطون يمنيون، تضرر اليمنيين من أزمة قطر، بشكل مباشر أو غير مباشر، ولم يجرؤ أحد على الكلام على اعتبار الحديث عن قطر نوعاً من أنواع «معاداة السامية الخليجية».
وبحسب الكاتب والصحافي اليمني، غمدان اليوسفي، فإنه «تغيرت معايير التعاملات، سواء في داخل الدولة اليمنية أم في التعامل الخليجي تجاه اليمن أم حتى في وسائل الإعلام الخليجية، فاليمني الذي يتحدث على شاشة الجزيرة عن قضيته وآلامه وأوجاعه، بعيداً عن قضية قطر، يصبح محرماً عليه الظهور في معظم وسائل إعلام الخليج». وأكد اليوسفي، في مقال له بهذا الشأن، أن «معايير الحكومة اليمنية في التعيينات، وبرغم كوارثها أيضاً، أضيف إلى تلك المعايير بند مستوى القرب من قطر، وأصبحت اللجنة الثلاثية اليمنية السعودية الإماراتية المختصة بقرارات التعيين، واليد الطولى فيها للإمارات، هي من تقرر من يتم تعيينه ومن يُرفض».
ويشير المتحدث إلى أنه «أُقحمت قطر في كل تفاصيل حياتنا، حتى التغريدة التي نفكر بنشرها أو المنشور الذي نحاول كتابته، نحاول ألا نزعزع التحالف الذي سيحررنا من الحوثي، لذلك نتجنب أن نفعل شيئاً يوحي بالقرب من قطر».

وسرد اليوسفي بعض المواقف التي عايشها، حيث يقول: «ذات يوم وجدت رسالة في بريد تويتر في بدايات الأزمة مع قطر من شخص عزيز ينصحني بعدم الوقوف مع قطر، فرديت عليه إني لم أتدخل بأي رأي حيال الأزمة، فقال: رأيت إعجاباً منك على منشور لعثمان آي فرح، المذيع في الجزيرة، قلت له: المنشور اجتماعي ولا يخص قطر، قال: حتى لو، كفاية إنه يشتغل في الجزيرة... نعم إلى هذا الحد بلغت بنا الفوبيا من قطر».
وقال اليوسفي: «عشت تجربة شخصية حين كنت أبحث عن عمل في إحدى الجهات الحكومية، وهي وظيفة عادية، لكن الرد كان أنني أعمل مع قطر، واكتشفت أن تقريراً استخباراتياً خصص لهذا الأمر تلقته الحكومة اليمنية من الأشقاء في المملكة، وكُتب بأياد يمنية، وحين سألت أحد المسؤولين السعوديين أكد لي ذلك، وقال: لا تقلق، لقد دافعت عنك». وزاد: «للأسف، انساقت الدولة اليمنية بعمى غير مسبوق في هذه الأزمة، وأصبح كل ما تقوله الإمارات يتم الموافقة عليه، دون أي مقابل، على اعتبار أن الدول تدار بالمصالح».
التعليقات