يبدو أن المملكة العربية السعودية قررت مواصلة حربها على المغتربين اليمنيين، ضاربة مشاعر اليمنيين في الداخل والخارج عرض الحائط، والمؤكد هو أن كل المحاولات مع السعوديين لاستثناء اليمنيين العاملين من القرارات الصادرة باءت بالفشل، ووصلت «الشرعية» إلى طريق مسدود والى قناعة أن السعوديين لا يمكنهم التراجع عن قراراتهم أو استثناء العمالة اليمنية من تلك القرارات التي تنتهي بهم الى الترحيل واجبارهم على المغادرة بشكل أو بآخر.
وبحسب حديث مغتربين إلى «العربي»، فإن شريحة كبيرة من المغتربين اليمنيين صاروا من بعد القرارات «سجناء، بعد أن وجدوا أنفسهم غير قادرين على الحركة أو ممارسة أعمالهم التي في الأساس صارت مصادرة، بفعل تلك القرارات، وسعودة المهن، التي يعمل في إطارها قطاع واسع من اليمنيين»، إضافة إلى أن «من يتم القاء القبض عليه وإقامته غير مجددة، يتم سجنه وتغريمه والترحيل مباشرة، دون أي تراجع».
وقد ظل مئات آلالاف من اليمنيين يراهنون على وعود «الحكومة الشرعية» في تحركها بهذا الملف وبحثها عن حلول مع المسؤولين السعوديين، ويرى المغتربون أن حكومة هادي ظلّت تطلق الوعود بشكل جاد وبشكل شبه يومي، باعثة رسائل الاطمئنان، ليتضح في الأخير أن كل ذلك كان مجرد مسكّن وحديث في وسائل الإعلام فقط.
استنفاذ وسائل المراوغة
وعلى ما يبدو فإن «الشرعية» استنفذت كل وسائل المراوغة، ليأتي قرار الرئيس عبدربه منصور هادي، قبل يومين، بـ«إعفاء المغتربين اليمنيين العائدين من المملكة إلى الوطن بشكل نهائي من الرسوم الجمركية والضريبية عن منقولاتهم الشخصية، من الأثاث المنزلي والأجهزة الكهربائية الشخصية، إضافة إلى تخفيض الرسوم الجمركية للسيارات والآليات والمعدات الشخصية بنسبة 85% ولمدة ستة أشهر»، بمثابة رسالة واضحة وصريحة، بأن «السعودية لن تتراجع عن سياساتها وإجراءاتها المجحفة بحق المغتربين اليمنيين هناك، وأن انتظار الحلول غير مجدٍ».
رسالة فهمها اليمنيون عن بكرة أبيهم، صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، سواء الذين هم في الداخل أو أولئك المغتربين الذين يعيشون على أصابع أقدامهم بانتظار خبر الاستثناء والإعفاء، وتراجع المملكة في قراراتها أو تعديلها. وبعد أشهر من الانتظار وجد المغتربون أنفسهم أمام حرب لا مفرّ منها، وأن السعودية مصرّة على حربها هذه، التي تنتهي بهم إلى الترحيل والمغادرة إجباراً.
«العربي» توجه بعدد من الاستفسارات إلى بعض المغتربين في السعودية. ماذا يعني إصرار السعودية على تنفيذ قرارتها؟ ما المصير؟ وكم حجم المغتربين الذين سيتضررون؟
المغترب (ك. م. ح)، يجيب على سؤال «العربي»، بالقول: «أنا الآن أودّع صديقي وأحد أبناء قريتي، وهو ممن كان يعملون في واحدة من المهن التي تسعودت وأصبح أمر استمرار العمل فيها غير ممكن، وكان هذا الصديق أحد عشرات الالاف الذين كانوا يأملون من الحكومة الشرعية بأن تتوصّل إلى حل مع المملكة بشأنهم، وأن تفضي كل الجهود التي ظلت تتحدث عنها إلى حل، وتتحوّل الوعود إلى حقائق على أرض الواقع، ولكن بعد حديث هادي أمس، واستمرار الحملات من قبل الشرطة السعودية وازديادها بشكل ملفت، جعلته يستسلم للرحيل ومغادرة المملكة إجباراً».
وأضاف أن «هذا الصديق الثالث الذي أودعه منذ ليلة أمس، ومن قرية واحدة. ثلاثة أصدقاء الذين هم بالقرب مني فقط ومن قريتي، ولك أن تقيس هذا الأمر على بقية زملائي وبقية المغتربين وكم مغترب سيغادر من كل مدينة ومنطقة سعودية لا يخلو شبر فيها من اليمنيين وحضورهم».
المغتربون ضحايا «2030»
أحد أعضاء اللجنة اليمنية التي شكلتها حكومة هادي في الرياض، وأسندت إليها مهمة البحث عن حلول مع الجانب السعودي والمسؤولين المعنيين، قال لـ«العربي» إن «القصة تتلخّص بأن السعودية لديها خطه اسمها 2030 تتضمن توطين نسبة كبيرة من العمالة، وترحيل عدد كبير من المقيمين من مختلف الجنسيات وليس حصراً على اليمنيين».
وأضاف «لكن اليمنيين الأكثر تضرراً من هذه القرارات لعدة أسباب، أولاً لأن وضعنا الداخلي بسبب الحرب سيء للغاية. وثانياً لأن عدد المغتربين اليمنيين بالسعودية كبير جداً، وهم يشتغلون في مختلف الأعمال والمهن الحرة التي تم سعوَدَة أغلبها لأنها تدر دخلاً كبيراً. ثالثاً لأن الأنظمة السعودية كان يتم التغاضي في تطبيقها على اليمنيين على الرغم من أنها تشملهم، لكن كان هناك نوع من غضّ الطرف عمّن يعمل أو يقيم في السعودية بشكل مخالف لأنظمة العمل».
وأشار إلى أنه «بحكم الجوار الجغرافي تسرّب عدد كبير من اليمنيين إلى السعودية، ويعملون فيها بشكل غير قانوني. ولك أن تتخيل أنه خلال فترة الثلاث السنوات الماضية تم اكتشاف أنه أكثر من مليون عامل كان قد أعطي لهم فرصة لتسوية أوضاعهم القانونية، وكثير قاموا بذلك فعلاً».
تدخّل مباشر من الملك!
وعن جهود «اللجنة» وجهود حكومة هادي، يقول المتحدث إن «هناك مباحثات بين اليمن والسعودية للحصول على استثناءات؛ لكن الجانب السعودي لا يحبذ المس بخطة 2030 لنهضة الاقتصاد السعودي»، وأشار إلى أن «الأمر يحتاج إلى تدخل مباشر من الملك»، لافتاً إلى أن «الظروف في اليمن ستزداد سوء إذا تم تطبيق الأنظمة على اليمنيين المغتربين».
وقال إن «اللجنة تتواصل مع الجانب السعودي والسعوديين متعاونين في إطار الأنظمة والقوانيين، وهذا حقهم، لكنك لا تستطيع أن تطلب من أحد أن يخالف قانون بلده من أجلك هذه هي الحقيقة»، ورأى أن «السعوديين فقط بيطبقون القانون، وأي اتفاق جديد معهم سيلزم تغيير القانون، ولهذا فإن الأمر يحتاج إلى تدخل الملك، لأنه هو الوحيد المخول بإصدار القوانين»، مشيراً إلى أنه «وعلى ما يبدو، فإن السعوديين مش مدركين المخاطر المترتبة على تطبيق الأنظمة هذه».
وعمّا إذا يُمكن الاعتبار أن «اللجنة» قد فشلت في مهمتها، يقول المتحدث لـ«العربي» إن «اللجنة الوزارية مهمتها متابعة التواصل مع الجهات المعنية السعودية وقد تواصلت ولازالت مستمرة في عملها، وبعض القضايا حلّتها مع الجهات السعودية، مثل عودة طلاب يمنيين إلى المدارس والسماح بتجديد بعض التأشيرات، وبعضها وضعت لها مقترحات للحلول لازالت تنتظر رد الجانب السعودي فيها، وبعضها رفعت للرئيس ليناقشها مع الملك».
وأكّد أن «المشكلة هي في الرسوم الزائدة لزوم التجديد وما إلى ذلك، وإنما المشكلة الأكبر والرئيسية تكمن في اقناع السعوديين باستثناء اليمنيين في ما يتعلق بسعوَدَة المهن».
من سيء إلى أسوأ
يؤكد مغتربون يمنيون أنه «بعد توطين المهن وسعوَدَتها صار لدى الشركات زيادة عمالة لذلك يتم الاستغناء عن كثير من العمالة الأجنبية ومن ضمنها اليمنيون».
ويقول مصدر اغترابي لـ«العربي» إن هذا الأمر «يعني بالمختصر أن الوضع يزداد سوء يوماً بعد يوم. فالسعوديون أوقفوا تجديد الإقامات في كثير من المهن، وهناك مغتربون سافروا قبل القرارات إلى اليمن في إجازة ومُنعوا من العودة إلى السعودية بعد القرارات، وبمجرد أن سافروا سقطت أسماؤهم من اللوائح ولم يستطيعوا دخول السعودية مره ثانية».
وبحسب المصدر، فإن أكثر مشاكل العمالة اليمنية تتركّز في أن «الأغلبية العظمى منهم يشتغلون عند غير كفلائهم، وهؤلاء يعتبرون مخالفين لنظام الإقامة ويصنّفون كعمالة سائبة، لذلك من توقفه الشرطة السعودية يودع السجن وبعدها إلى الترحيل مباشرة».
المهن «المحرّمة» على اليمنيين
وفي هذا الإطار، تؤكد معلومات «العربي» الواردة من الرياض، بأن المهن التي تمّت سعوَدَتها وباتت ممنوعو على اليمنيين هي «بيع الجوالات، والملابس النسائية والأطفال، محلات العطور، والإكسسوارات، ومحال أدوات التجميل»، إضافة إلى العمل في «المولات، والبقالات، والمراكز التجارية والفنادق ومحال بيع المجوهرات»، بالإضافة إلى مهن كثيرة أخرى منها «المحاسب والكاشير».
وطبقاً لمصادر «العربي»، فإنه في الأشهر القليلة القادمة ستشمل السعوَدَة المهن المتعلقة بـ«الإلكترونيات ومحال الكمبيوترات والكهرباء وأدوات البناء».
وتقول المصادر إنه «لم يتبقَ سوى الكافتيريات والمطاعم لم تشملها القرارات حالياً».
التعليقات