تتدهور صحة الأسير الناشط الحقوقي علي باقطيان، يوماً بعد آخر، في معتقلات مطار الريان الدولي بمحافظة حضرموت، الواقعة تحت سيطرة القوات الإماراتية المشاركة ضمن قوات «التحالف العربي» الذي تقوده السعودية، بعد إضرابه عن الطعام لأكثر من 15 يوماً. ولا يزال مستمراً في الإضراب احتجاجاً على رفض المندوب السامي للقوات الإماراتية لقرارات النيابة القاضي بالإفراج عنه وعن 30 شاباً حضرمياً لم تثبت إدانتهم في التهم المنسوبة إليهم، بالرغم من توفر متطلبات ضمان الإفراج.

اعتقل باقطيان من منزله مساء الأربعاء 11 يناير العام الماضي، من قبل قوة عسكرية موالية للقوات الإماراتية بعد اتهامه بمساعدة تنظيم «القاعدة» في الهجمات الإرهابية التي ضربت بعض المعسكرات والنقاط الأمنية بمدينة المكلا في شهر رمضان قبل عامين في وقت الإفطار، تزامناً مع قيام مؤسسته بمشروع «عزة وطن» الذي يتضمن توزيع موائد من المأكولات للنقاط العسكرية.
وقالت مصادر لـ«العربي» إن باقطيان يعاني أوضاعاً مأساوية خلف قضبان معتقل الريان بسبب التعذيب الجسدي والنفسي الذي يتعرض له ظلماً، وأن ما يمر به باقطيان يتجرعه مئات المعتقلين في سجون الإمارات بحضرموت.
وأدانت منظمة «سام» للحقوق والحريات، ومقرها جنيف، واقعة اختطاف باقطيان وحصار منزله وإرهاب عائلته، مؤكدة أن هذه الحادثة تعد انتهاكاً صارخاً للحريات، وتجاوزاً للدستور اليمني الذي بموجبه تتعهد الدولة ومؤسساتها بحماية المواطنين، وتضمن لهم حرية العمل المدني والنشاط السلمي.
كما اعتبرت المنظمة أن هذه الحادثة وغيرها من حوادث الاختطاف والإخفاء القسري لمئات النشطاء السياسيين والحقوقين والشخصيات الإجتماعية تعد مؤشراً خطيراً على حجم انتهاكات القوات الإماراتية في حضرموت واليمن.

صدمة

قالت أسرة الناشط الحقوقي والاجتماعي علي حسن حرمل باقطيان، المعتقل في حضرموت منذ عام وثلاثة أشهر، أنها أصابتهم صدمة شديدة عند تمكنهم من زيارة علي «حيث وجدناه في حالة صحية سيئة وهو مضرب عن الطعام منذ خمسة عشر يوماً، وأصبح يتحدث بصعوبة بالغة، لم نتمكن من سماع حديثه إلينا بسبب الضجيج العالي الذي يحدث في غرفة شباك الزيارة الجماعية الممتلئة بالزوار والمعتقلين، حتى ظننا أنه لا يوجد بيت في حضرموت إلا ولديها سجين».
وأضافت: «في الخامس من إبريل، وبعد عام وثلاثة أشهر تمكنا من زيارة ابننا علي باقطيان للمرة الثانية والتي كانت مشروطة بإقناعه بوقف إضرابه عن الطعام، حيث كان ممنوعاً من حقه في استقبال الزيارات. وما أن انتهت الزيارة حتى شاهدنا علي وهو يسقط مغشياً عليه من سوء حالته الصحية، وحين شاهدته أمه وهو على هذه الحال فقدت وعيها هي الأخرى، وصرنا في حال ترق لها قلوب الأحجار ولم ترق لها قلوب مسؤولين يرفضون الإفراج عنه رغم صدور أوامر من النيابة العامة وتوفير كل الضمانات المطلوبة، ومع ذلك ما يزال ولدنا قيد الإعتقال ممنوعاً من أبسط الحقوق الإنسانية، وهو حق الاتصال بأهله وذويه... بل ويقابل ذلك الإيذاء اللفظي من الضابط هاني باشكيل لأسرتنا دون مراعاة لحالة والدته أو والده أو تقديراً لسنهما، وحين مطالبتنا له بإحالة علي للمستشفى رد قائلاً: ابنكم يكذب، وإذا أردتم الصراحة فاستخيروا على ولدكم إن كان بيتعبكم فربي يشله ولو كان ابني لتبريت منه». وتساءلت الأسرة: «هل هذا كلام يقال ونحن لم نفق من صدمة رؤيتنا لحالة علي بعد؟ هل ما زال يمتلك هذا الرجل قلباً في أحشائه... أترك علي لنا فنحن صدورنا تتسع لمن لا يخاف في الله لومة لائم».
وعبرت الأسرة عن استغرابها الشديد لعرقلة تنفيذ أوامر النيابة العامة التي تصدر الأوامر ولا تجد من ينفذها «وكأن هؤلاء الموظفين يعملون في دولة أخرى أو يتلقون أوامرهم من دولة أخرى لدرجة اضطر معها أعضاء ووكلاء النيابة للإضراب عن العمل احتجاجاً على عرقلة المندوب الإماراتي لتنفيذ أوامرهم القانونية التي يصدرونها بحكم مسؤوليتهم عن حقوق وحريات المواطنين كممثلين للسلطة القضائية».
وتابعت «لا ندري لماذا يرفضون الإفراج عن ولدنا علي باقطيان وهم يدركون تمام الإدراك أنه مواطن مسالم مشهود له بالصلاح والاستقامة وكان يكرس كل جهوده لخدمة الناس بمعرفة المحافظ البحسني، حتى من قبل أن يتسلم مهامه كمحافظ، وكان يدعم بعض المشاريع الخيرية التي ينفذها علي لخدمة المجتمع دون أي تفرقة أو تمييز».
وزادت: «عام وثلاثة أشهر من السجن والإخفاء القسري والتعذيب والحرمان من الزيارة، وخمسة عشر يوماً من الإضراب عن الطعام احتجاجاً على عدم تنفيذ أوامر النيابة العامة بالإفراج عنه، وحتى أصبح في حالة صحية يرثى لها ونخشى أن لا يخرج إلينا من السجن إلا على ظهر النعش جثة هامدة».

وحملت أسرة المعتقل علي باقطيان محافظ حضرموت البحسني «المسؤول عنه أمام الله وأمام القانون وأمام التاريخ بحكم معرفته بالناشط علي باقطيان حق المعرفة وأعماله الخيرية والإنسانية وحبه لمجتمعه وإخلاصه لوطنه، ولا ندري ما الذي يجعلك كمحافظ ترضى بوجود علي وأمثاله من الشباب الأبرياء في السجون وفي هذه الظروف السيئة التي لا تليق بإنسان مهما بلغت جرائمه، فكيف إن كان بريئاً مظلوماً؟».


قذارة التعذيب

«لا يخفى على أحد أن الاحتلال الإماراتي هو الآمر الناهي بحضرموت»، بحسب ما أكد الناشط عمر باعوم، الذي اعتبر أن «الشرعية اليمنية هي عبارة عن ديكور يخفي قبح التحالف العربي، المعتقل علي باقطيان يقبع منذ أكثر من عام وثلاثة أشهر ويذوق في سجون مطار الريان سيء الصيت كل أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، حيث تمارس بداخله القوات الإماراتية فظائع وأهوال ضد السجناء وتتم بداخله ممارسات لا إنسانية بل لا تقل فضاعة عن سجن أبو غريب». وزاد: «الرابط المشترك بين معتقلي الريان وأبو غريب هو أن كل السجانين كانوا أجانب وأوهموا الآخرين بأنهم أتوا لأجلهم ولأجل حريتهم، لا العراق نالت الحرية، ولا أظن بأن المكلا ستنال حريتها بل ستخرج مساجين ناقمين منتقمين من هول ما رأوه من قذارة التعذيب وبطرق تمتهن بها كرامة الإنسان ويخدش حياءه، وإن كانت هنالك فعلاً منظمات إنسانية أو بقي لها أي جهد يذكر عليها القيام بواجباتها تجاه المعتقلين».

ضحية «التحول السياسي»

وأوضح المحامي أشرف العوبثاني أن المعتقل علي باقطيان «ضحية التحول السياسي الذي تشهده اليمن أجمع وحضرموت خصوصاً»، وأن المعتقل باقطيان «ليس إرهابياً، ومن يملك الإبتسامة لا يمكن أن يكون إرهابياً، لماذا هذا التعنت والإصرار على عدم إطلاق سراحه بعد قرار النيابة بالإفراج، أليس لا سلطان على القضاء؟!». وأضاف المحامي العوبثاني «بعد قراءتي للبيان الذي أصدره أهله بعد زيارتهم له الذي أوضحوا فيه أنه بدأ بالإضراب عن الطعام وحالته الصحية سيئة جداً جداً لدرجة أنه لم يستطع الوقوف أمامهم وخر مغشياً عليه من الظلم والجور الذي حصل له».
وتساءل: «لماذا تخلى الجميع عن علي والكل يعلم براءته، ألم يكن أول المبادرين بعد تحرير المكلا في تعزيز دور النخبة ومبادرته بمشروع عزة وطن الذي كان بتوافق بين مؤسسته والقيادة العسكرية والسلطة المحلية، لماذا هذا الصمت المريب؟ ولماذا تخلينا عنه بهذه السهولة وصدقنا كل ما قيل عنه؟».