يبدو أن الحرب في اليمن أوجدت واقعاً سياسياً جديداً، واقعاً تغيرت فيه خارطة التحالفات السياسية والحزبية، ومعها تغيرت خطوط النشاط وقنوات التواصل والمواقف سواء لهذا الحزب أو ذاك.
على مستوى الجنوب، حدثت تطورات متسارعة وملفتة، منذ بداية الحرب، وحتى الان لا يزال الجنوب ساحة للتطورات والمتغيرات. ومن رحم الحرب خرج مولود اسمه «المجلس الانتقالي الجنوبي»، وأخذ يقود المشهد الجنوبي، ويتحكم بمساراته بقوة السلاح أكثر من قوة السياسة، وهو يدعي أنه الممثل الأول للجنوب ويريد صياغة واقع سياسي جديد، ومنذ ظهوره يرفع سقف الحديث عن القضية الجنوبية وعن استقلال الجنوب والانفصال واستعادة دولة ما قبل صيف 1994م.
هذه الدولة كان يقودها «الحزب الاشتراكي اليمني»، الحزب الذي يفترض أن يكون هو في واجهة هذا التطور وهذا الواقع الذي يتشكل، ولكن هذا الحزب الذي ولد من رحم «ثورة اكتوبر» عام 64م، وحمل قضية الجنوب منذ ما بعد صيف 94، غاب عن المشهد، الامر الذي يقودنا لطرح تساؤل: هل «الحزب الاشتراكي اليمني» ترك الصنارة لصياد آخر، أم أنه يلعب على أوراق جديدة، وأن ما يجري من تشكيل جديد يتم بالتنسيق معه؟
الحزب الاشتراكي وبقائه في المنطقة الرمادية
إلى جانب المواقف المعلنة وغير المعلنة للحزب، والبيانات التي تصدر بين فترة وأخرى عن «الحزب الاشتراكي»، والتي تجيب بعض فقراتها عن جزء من تساؤل «العربي»، تجيب مصادر سياسية جنوبية في حديثها لموقعنا عن التساؤل بالقول: «الحزب الاشتراكي اليمني يبدو راضياً ومؤيداً لفكرة المجلس الانتقالي الجنوبي، وجزء كبير من قيادات الحزب تبدو في واجهة المجلس، ولم يتخذ الحزب أي موقف أو قرار فصل بحق تلك القيادات حتى يظهر الاشتراكي أنه معارضا للمجلس الانتقالي، ولكنه بدأ مؤخراً يلمح إلى أن تمثيل الجنوب يجب أن يشمل جميع المكونات السياسية الجنوبية، وليس للمجلس الانتقالي الحق في الانفراد بالقرار والانفراد بتمثيل الجنوب، والحزب يدعو الى توسيع دائرة المشاركة، ولملمة كل المكونات والتيارات السياسية الجنوبية حتى تصبح جزءً من هذا التشكل الجديد».
وتضيف المصادر: «الحزب يبدو أنه منسقاً مع الانتقالي الجنوبي، وهو ترك الفرصة له لقيادة المشهد لاعتبارات عدة بعضها متعلقة بالشرعية وبالعلاقة مع الرئيس هادي، الذي يخوض حربا مع الانتقالي، ويعتبر أن تشكيل المجلس الانتقالي انقلاب على الدولة وعلى الشرعية وعلى الرئيس هادي نفسه، وأن أبو ظبي وراء هذا التشكل».
وحتى لا يظهر «الحزب الاشتراكي اليمني» جزء من التهمة ومن الحرب ضد الرئيس هادي، فضل الحزب الصمت كثيرا وعدم اظهار مواقفه كاملة، مع ذلك تقول مصادر سياسية في «الحزب الاشتراكي اليمني» لـ «العربي»، إن «الرئيس هادي منزعجا من الحزب الاشتراكي ومنزعجا من بعض مواقفه، وأن العلاقة تتوتر بينه وبين الحزب يوما بعد اخر». وكشفت المصادر عن «توجيه الرئيس دعوة لقيادات الحزب وأمينه العام عبد الرحمن عمر السقاف قبل اسبوعين للحضور إلى الرياض، ومنذ ايام يجري بين هادي وأمين الاشتراكي نقاشات بشأن مواقف الحزب وإعادة النظر في كثير من الحسابات خصوصا تلك التي تتعلق بالمجلس الانتقالي الجنوبي».
الحزب يستأنف النشاط
وفي حين تتحدث المصادر السياسية الجنوبية، عن ترك الفرصة من قبل «الاشتراكي» لـ «الانتقالي الجنوبي» في قيادة النشاط السياسي على الساحة الجنوبية، تلفت إلى أن «الحزب الاشتراكي خاصة في الجنوب، بدأ يتحرك من جديد ويعود الى واجهة النشاط والحضور نوعا ما، حيث عقدت اللجنة المركزية للحزب في الجنوب دورة لها، انطلاقا من قرار الكونغرس الحزبي الذي أقر اعتماد الفيدرالية للحزب الاشتراكي من إقليميين، وعلى ضوئها تشكلت قيادة للهيئة الحزبية في الجنوب، واصدرت بياناً في ختام دورتها المنعقدة في عدن، واعتبرت أن تشكيل المجلس الانتقالي خطوة جيدة وتطالب بتوسيع الشراكة الوطنية لكافة القوى الجنوبية».
الهيئة القيادية لاشتراكي الجنوب، تشكلت بتوزع مهامها على النحو التالي: «ياسين احمد صالح رئيسا للسكرتارية، وأحمد حرمل رئيسا للدائرة السياسية، وزيد ثابت محسن رئيسا للدائرة التنظيمية، عتيق باحقيبه رئيسا للدائرة القانونية، وصالح اليمن الحرير رئيسا لدائرة الحقوق والحريات، دفاع صالح ناجي رئيسا لدائرة الإعلام والثقافة، وصباح شرف رئيسا الدائرة الاقتصادية والمالية، وثابت سالم بن سهيل رئيسا لدائرة المجتمع المدني، وانتصار خميس رئيسا لدائرة المرأة، ومحسن حسن فريد رئيسا للدائرة العامة، واعد عبدالملك رئيسا لدائرة الشباب». وعلق سياسيون جنوبيون بأنه «على الرغم من انهم لا يعرفون شيئاً عن هذه الهيئة، لكن مجرد خروج الاشتراكي من بياته الشتوي يعد خبراً لافتاً، حتى لا يترك الساحة شاغرة -حزبياً- للأخرين».
الحزب يناور
مراقبون يرون أيضاً في حديثهم مع «العربي»، أن «الحزب الاشتراكي موجود بقوة في الجنوب، وأن الانتقالي جبهة متقدمة للاشتراكي»، لافتين إلى أن «من يصيغ خطابات الانتقالي وينظم أعماله حزبيين وقيادات رفيعة في الحزب هي ضمن الانتقالي، وعدم اتخاذ الحزب الاشتراكي أي قرارات بحقهم، تأكيداً على أن الاشتراكي يناور في الجنوب بلافتات عديدة، من بينها الحراك والانتقالي كما يناور حزب الاصلاح في مأرب وتعز باسم المقاومة».
المشهد السياسي في الجنوب، يبدو أنه لم يتشكل ولم ينضج بصورته النهائية، ولا تبدو الموافقة مكتملة لـ «المجلس الانتقالي» على قيادة الجنوب وتمثيله، خصوصاً وأن هناك تقديرات جنوبية تضع في حساباتها مسألة وقوف أبو ظبي خلف هذا الخط، وهناك معارضات للمجلس إلى جانب معارضة «الشرعية» ومؤيدي الرئيس هادي. وهناك مؤشرات في المشهد الجنوبي تلوح في الأفق اليوم، تتحدث بعضها عن مساعي سياسية نحو تشكيل أكثر من تحالف أو ائتلاف يضم قوى أو مكونات جنوبية، وهو ما قال عنه جنوبيون لـ«العربي»، إنه «سباق حول تمثيل الجنوب، بدلا من احتكار كيان جنوبي واحد وادعاءه تمثيل الجنوب».
وكشفت مصادر سياسية جنوبية لـ«العربي»، أن «مشاورات تجري لإشهار ائتلاف جنوبي اخر يضم عدة تيارات جنوبية، في ظل الصراع القائم بين أكثر من مكون وجماعات سياسية جنوبية».
بداخل الحزب مشكلة واختلال وظيفي
وعن غياب «الحزب الاشتراكي اليمني» في الجنوب، وترك الأمور لـ«الإنتقالي»، يرى المحلل السياسي وضاح الجليل، أن «الحزب الاشتراكي غائب عن كامل القضية اليمنية وليس فقط عن القضية الجنوبية، وهذا الأمر هو نتاج مجموعة عوامل، منها الاختلال الوظيفي لهيئات الحزب ومؤسساته من ناحية، وعدم وضوح رؤيته السياسية والمنهجية تجاه مختلف القضايا، وعدم وضوح مواقف القوى السياسية الأخرى، سواء التي كانت حليفته، أو خصومه المباشرين وغير المباشرين، وانقطاع التواصل والتفاهم بين القيادة والقواعد».
ويضيف أن «الحزب الاشتراكي أضاع البوصلة تجاه القضية الجنوبية منذ ما بعد حرب صيف 1994، التي كان الاشتراكي والجنوب أول ضحاياها، ولم يستطع الحزب استعادة عافيته إلا بعد سنوات من هذه الحرب، لكن ظل يتجاهل خصوصية القضية الجنوبية حتى تحولت هذه القضية إلى حراك شعبي مطلبي وسياسي، وبدلا من أن يكون الحزب حاملا لهذه القضية، تعامل معها بمنطق حقوقي بحت، وأوكل إلى منظمة حقوقية موالية له التعامل مع ما يجري في الجنوب باعتباره قضايا حرية رأي وتعبير، وأحالها إلى ملفات للابتزاز، وهذا الأمر ساهم في ترهل الحراك الجنوبي وتحوله إلى حراك مناطقي، والسبب تخلي الأحزاب السياسية، وأولها الحزب الاشتراكي، عنه».
الحزب أخطأ في الحسابات ولم يستوعب المتغيرات
ويتابع الجليل: «كان الأجدر بالحزب الاشتراكي تصدر المشهد بشأن القضية الجنوبية، ودفع شركائه إلى تبني مطالب الحراك الجنوبي ضمن مشروع وطني متكامل، وعدم السماح بتجزئة القضية اليمنية إلى مجموعة قضايا مناطقية تتسابق قوى لا وطنية على تمثيلها، الأمر الذي استفاد منه النظام السياسي الحاكم، والذي عند اندلاع ثورة فبراير عمل على تفتيت جبهة الثورة، من خلال استغلال الأزمات التي صنعها خلال فترة حكمه، ومنها القضية الجنوبية، وبدلا من أن تشكل هذه القضايا جبهة واحدة في مواجهته؛ تحولت بعضها إلى ثورة مضادة».
ويضيف: «تسارعت التغيرات في المشهد اليمني، وبدخول البلد في الحرب الحالية؛ كان الحزب الاشتراكي ما يزال غير قادر على استيعاب المتغيرات، وفي حين كان أعضاءه وأنصاره يحددون مواقفهم من الحرب، وانضم الكثير منهم إلى المقاومة الشعبية ضد تحالف الحوثي وصالح في مختلف الجبهات، وفيما أعلنت مجموعة من قياداته موالاة جماعة الحوثي، ظلت قيادة الحزب تتعاطى مع المشهد بسلبية، والتزمت الحياد غير المبرر».
الحروب تنتج قوى لا وطنية وهو ما حدث جنوبا
وطبقاً لـ وضاح الجليل، فإنه «من الطبيعي أن الحروب تنتج قوى لا وطنية، وتعمل على تصعيد الإيديولوجيات العصبوية، وهذا ما حدث جنوباً، حيث تحول الحراك الجنوبي إلى قوة جهوية تمتلك السلاح ولديها سلطة أمر واقع على الأرض، وتمارس مهام خارج إطار الدولة، وضد شرعيتها»، لافتاً إلى أنه «وبدلاً من أن يتخذ الحزب موقفاً وطنيا تجاهها، عمدت قيادته إلى التماهي معها في مواقف معلنة، لكنها لم تكن صريحة كفاية، إلا أنها توحي برضا هذه القيادة عن التحولات في الجنوب، واستعدادها للتحالف مع قوة وسلطة الأمر الواقع الجديدة هناك بلا وطنيتها، وممارساتها المناهضة للشرعية، وانتهاكاتها للحقوق والحريات، وتخريب الأجواء، وموالاة جهات خارجية بما يدفع باتجاه ملشنة الأوضاع، وعدم تمكين العملية السياسية من التطور».
ويرى المتحدث، أنه خلال ربع قرن، أي منذ حرب صيف 1994، «تغير نهج الحزب تجاه الجنوب من النقيض إلى النقيض، في البداية رفض إيلاء القضية الجنوبية اهتماماً، خاصة بحجة أنه يتعاطى مع القضية اليمنية بمجملها، وانتهى الأمر إلى تعاطيه مع القوى ما قبل الوطنية التي تزعم تبني تلك القضية».
التعليقات