فوضى هادي السياسية
أبدى معهد «الشرق الأوسط» تفاؤله، بما أعلنه المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، عن أنه «سيضع إطاراً للمحادثات الجديدة في غضون شهرين»، لكنه (المعهد) أكد في الوقت نفسه على أن «الاستقالات التي تمت في حكومة الرئيس هادي، تثير تساؤلات حول قيادة الأخير للقوات المناهضة للحوثيين».
وأشار المعهد الأمريكي، إلى أن غياب هادي عن عدن، وعدم إحراز أي تقدم من قبل «التحالف» الذي تقوده السعودية ضد «أنصار الله»، قد «أدى إلى استقالات رفيعة المستوى في حكومة هادي، والمتمثلة في وزير المواصلات صلاح الصيادي، وزير الخدمة المدنية ومساعد رئيس الوزراء عبد العزيز الجباري، بعد الانتقادات العلنية التي وجهها الرجلين للسعودية والإمارات»، فضلاً عن ما أفصح به وزير الخارجية عبدالملك المخلافي للصحافيين عن «أن خلافات الحكومة مع دولة الإمارات منعت هادي من العودة من منفاه في السعودية»، وكذا تصريحات وزير الداخلية أحمد الميسري، الذي أشار إلى أن «هادي ليس سفيراً لكي يبقى في الرياض، ولكنه رئيس الدولة الذي يجب عليه العودة إلى عاصمته».
ونقل المعهد الأمريكي عن مسؤول حكومي في حكومة هادي قوله: «نحن الذين أخطأنا منذ البداية، عندما تركنا الوصاية للتحالف من دون إشراف أو مساءلة». وأضاف «كنا نظن أنهم فهموا تعقيدات المشهد اليمني، لكن أصبح من الواضح لنا أنهم لم يفعلوا ذلك». وتابع «نحن لا نفهم بالضبط ما يريده أشقاؤنا في التحالف، أو ما هي أجنداتهم الخاصة في اليمن خلال وبعد حملة التحرير».
وكشف المعهد أن لدى دولة الإمارات أجندة خاصة بها في اليمن، وأن ذلك «على النقيض من السعوديين، الذين يدعمون الجيش اليمني النظامي في مأرب بقيادة القائدان علي محسن وهاشم الأحمر، في الوقت الذي شكلت الأمارات قوات أمنية جديدة في الجنوب، وقد أثبتت هذه القوى فعاليتها في دحر القاعدة، ومساعدة القوات المناهضة للحوثيين في منطقة بيحان وساحل البحر الأحمر بالتقدم إلى الأمام».
وأوضح المعهد أن «تقسيم قوات الأمن في الجنوب إلى مجموعات محلية صغيرة بدلاً من قوة يمنية موحدة، قد أثار سؤال الآخرين عما إذا كانت الإمارات تخلق إقطاعيات صغيرة داخل نطاق سيطرتها».
وأوضح معهد «الشرق الأوسط»، أن «المعارك التي حدثت في أواخر يناير الماضي بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، ضد ضد القوات الموالية لحكومة هادي في عدن، كشفت عن توتر أساسي بين القيادة الإماراتية وحكومة هادي، كما أن عدم إحراز أي تقدم قوات التحالف في تعز، إلى الشمال مباشرة من عدن، قد أدى إلى التشكيك كثيراً في دوافع الإمارات».
كما تطرق المعهد الأمريكي إلى الوضع في تعز، مشيراً إلى أن «هناك فصيلين رئيسيين يتنافسان على قيادة المقاومة في تعز، أحدهما مدعوم من قبل الإمارات، والآخر مدعوم من حزب الإصلاح الإسلامي»، لافتاً إلى أنه «كثيراً ما يظهر قتال أكثر حدة بين هذين الفصيلين منه ضد الحوثيين».
ونوه إلى أن الكثيرين يجادلون بأن دولة الإمارات «ستفضل أن تترك مدينة تعز تحت سيطرة الحوثي، من أن ترى أنها تحررت من قبل قوى ترى أنها صديقة لدولة قطر».
وأكد المعهد على أنه «ليس هناك ثَمّة شك في أن الإمارات لديها خطة كبيرة للتأمين، والهيمنة على الممرات المائية والموانئ في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية، والقضاء على الجماعات الإسلامية السياسية، بعد أن قامت ببناء قواعد لها في جزيرتي سقطرى، وجزيرة ميون في مضيق باب المندب، وفي أماكن أخرى، حيث قامت ببناء قواعد عسكرية في أرض الصومال، وإريتريا».
وذهب المعهد الأمريكي إلى القول إنه «وعلى الرغم من أن الإمارات قد تكون لديها تصاميم للساحل الجنوبي اليمني، فإن دعمها للمقاومة في الجنوب، قد لا يوفر لها النفوذ الذي تسعى إليه»، مستدلاً في ذلك إلى «الانقسامات الكبيرة التي تشهدها عدن، تعز»، ومبيناً أن تلك «الانقسامات هي نتيجة للانكسار في السياسة اليمنية نفسها، وليس تلك التي خلقتها دولة الإمارات».
وضرب المعهد مثالاً على ذلك، في الشخصيات التي تشكل من «المجلس الانتقالي الجنوبي»، قائلاً إنهم في الأساس هم «رجال هادي الذي عينهم ومن ثم عمل على إقالتهم». كما تطرق المعهد إلى أمثلة أخرى عديدة، خاصة في فيما يخص تعيينات هادي في منصب محافظ عدن، بدءاً من تعيينه لعبد العزيز بن حبتور في العام 2014، والذي عاد إلى الظهور في وقت لاحق في العام 2016 كرئيس وزراء لحكومة «الإنقاذ الوطني» في صنعاء، وكذا نايف البكري، وجعفر محمد سعد، وعيدروس الزبيدي، حتى بقاء المحافظة من دون حاكم حتى الآن.
وأشار المعهد إلى أن تلك القرارات «تؤكد أن اختلاف الإمارات مع الرئيس هادي ليس سوى في بعض القضايا فقط، وتؤكد أيضاً أن الإمارات ليست هي سيدة القرار السياسي في جنوب اليمن».
وختم المعهد تحليله موضحاً أن «نضال الرئيس هادي للشرعية السياسية، ينطلق من نفس التعقيدات في السياسة اليمنية التي يزعم بعض المسؤولين اليمنيين أن شركائها في التحالف فشلوا في فهمها»، لافتاً إلى أن «حكومة هادي قد تفهم بشكل أفضل تعقيدات السياسة اليمنية»، لكنه أكد على أن أدائها يظهر أنها ليست أكثر قدرة على التفاوض على تلك التعقيدات من مؤيديها الأجانب».
وحذر المعهد من أن عدم «تمكّن أتباع هادي أو المسؤولين الإماراتيين من تجميع القوات المتباينة ضد الحوثيين، قد يؤدي إلى فوضى سياسية في المفاوضات معهم».
خطة غير واضحة
رأى معهد «الخليج العربي» في واشنطن أن الترحيب الحماسي الكبير من قبل العديد من قادة دول الخليج العربي، الذي أعقب إعلان الرئيس دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، أو ما يعرف بخطة العمل الشاملة المشتركة، «يثير أسئلة خطيرة تكمن في المسار الفعلي لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، واستعداد واشنطن لدفع الثمن المطلوب لتحقيق غايات تلك الدول بحقبة جديدة تهدف بشكل مباشر إلى صد الهيمنة الإيرانية على المنطقة، ولربما حتى إلى حملة لتغيير النظام في طهران».
ولفت المعهد إلى أنه «إذا كان الوضع الناشئ يحتوي على كل عناصر سيناريو افتراضي لتحقيق رغبات السعودية ودولة الإمارات، وربما بعض دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى _على الرغم من أن الرأي العام في مجلس التعاون الخليجي منقسم_ فإن النظر عن كثب يكشف عن احتمال حدوث المزيد من التحول المقلق للأحداث مع بداية انهيار الاتفاق النووي الدولي مع إيران».
وأشار المعهد إلى أن دول الخليج العربية وإسرائيل حلفاء واشنطن الرئيسيين في الشرق الأوسط، «كانت من أكثر الدول الفاعلة دوليّاً انزعاجاً من المفاوضات النووية مع إيران والاتفاق اللاحق، لكن أولوياتهم تباينت إلى حد ما، خاصة مع تطبيق خطة العمل الشاملة المشتركة في العام 2015، حيث ركزت إسرائيل بشكل مباشر على مساعي إيران للحصول على سلاح نووي، بينما أعطت دول الخليج الأولوية للهيمنة الإقليمية الإيرانية المتزايدة ودعمها للجماعات المتطرفة غير الحكومية».
واعتبر المعهد أن «التحول الاستراتيجي المهم حدث منذ العام 2015، عندما تقاربت وجهات النظر الإسرائيلية من منظور دول الخليج العربي، في التأكيد على الحاجة إلى احتواء نفوذ إيران المتزايد والتصدي له، خاصة مع سقوط الأجزاء التي يسيطر عليها المتمردون في حلب في يد القوى الموالية للنظام السوري، وانهيار تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في غرب العراق وشرق سوريا العام 2017، حيث استولت القوات الموالية لإيران على مواقع إستراتيجية على جانبي الحدود العراقية السورية».
وكشف المعهد عن أنه «وبينما كان قادة إسرائيل السياسيون، يريدون من ترامب التخلي عن الاتفاقية ببساطة، فإن العديد من الأصوات العربية الخليجية كانت تنصحه في استخدام الاتفاقية كوسيلة للضغط على السياسات الإقليمية الإيرانية المُزعزِعة للاستقرار، وأنه وعلى الرغم من حصول الحكومة الإسرائيلية على ما تريده بالضبط، فإن العديد من عرب الخليج يشعرون بالسعادة من إدانة ترامب القوية لأجندة إيران الإقليمية، وخاصة أنشطتها في سوريا، واليمن».
وأوضح المعهد أن من وصفهم بـ«المتحمسين» في تل أبيب، والرياض، وواشنطن «يؤملون في أن يباشر ترامب تعهده بفرض أعلى مستوى من العقوبات الاقتصادية على إيران، لاستنزافها، حتى ينعكس ذلك على توسعها الإقليمي، إلى جانب اتخاذ إجراءات عسكرية إقليمية محدودة ومحددة ضد الأطراف النشطة غير الحكومية المؤيدة لها، للتقليل من بعض المكاسب التي حققتها في سوريا واليمن والعراق وحتى لبنان، لتنسجم مع السخط الشعبي الإيراني والانقسامات السياسية لخلق جو من التغيير الشامل في السياسة الخارجية، إن لم يكن تغيير النظام في طهران».
لكن المعهد استبعد أن «يفضي إعادة، أو حتى توسيع العقوبات التي رفعتها خطة العمل الشاملة المشتركة، إلى أيٍ من تلك النتائج»، مؤكداً على أن « توقيع المذكرات الرئاسية والأوامر التنفيذية أمر سهل، لكن مواجهة إيران على الأرض في المنطقة ستكون أصعب بكثير».
وبيّن المعهد الأمريكي أنه «إذا كانت واشنطن تأخذ على عاتقها زمام المبادرة في حملة واسعة ومستمرة للضغط على إيران في عدة جبهات، فإن كلا جانبي النزاع الداخلي في دول مجلس التعاون الخليجي يمكن أن يتوقعا ضغوطًا كبيرة»، مشدداً على أنه «يتعين على قطر أن تكون حذرة للغاية بشأن الحد من علاقتها مع طهران، بما في ذلك العلاقات الاقتصادية، وما يدفع المواقف نحو نزاع محتمل مع إيران».
ونوه معهد «الخليج العربي» إلى أن اليمن هي البقعة الأكثر سخونة، حيث تحارب القوات السعودية والإماراتية مجموعة من الأعداء بمن فيهم «أنصار الله» و«القاعدة»، مشيراً إلى أن «الضربات الصاروخية ضد السعودية أصبحت حدثاً منتظماً، ومن السهل أن نتصور تكثيفًا لمثل هذه الهجمات، كما يمكن للصراع بالوكالة أن ينتشر في العراق، وسوريا، وربما في البحرين». مؤكداً على أن إيران «تمتلك الكثير من الموارد المعتبرة، في حين ستكون الأهداف العربية الخليجية هي الأضعف، وبالتالي فهي مغرية للاستهداف، في حال اشتداد الصراع بشكل كبير».
وأوضح المعهد أن «الأماني كبيرة في أن يؤدي الانسحاب الأمريكي من خطة العمل الشاملة المشتركة إلى إطلاق حملة جديدة كبيرة للضغط على إيران، من خلال خطة بديلة تكون عمليّة ومتماسكة بقيادة الولايات المتحدة»، محذراً من «عوقب كارثية إن ثبت أن واشنطن تفتقر إلى الرؤية أو الالتزام أو القدرة على شن مثل هذه الحملة».
وشدد المعهد على أنه «لا يمكن لأي من الدول الخليجية المساندة لهذه المواجهة أن تتغلب على طهران وحدها، كما لا يمكنها الاعتماد على إسرائيل، كونها تعتمد على واشنطن لاستخدام أكبر قدر ممكن من قوة الولايات المتحدة لضمان أن يتم، على الأقل، إعادة ترتيب المشهد الاستراتيجي بما يكفي لجلب إيران إلى شروط معقولة معهم».
ضرورة وقف الهجوم على الحديدة
توقعت مجموعة «الأزمات الدولية»، التي تتخذ من العاصمة البلجيكية بروكسل مقراً، أن «تزداد حدة الهجمات التي يشنها التحالف الذي تقوده السعودية، وقوات الحوثيين خلال المرحلة المقبلة».
واعتبرت المجموعة خلال تقرير الشهر عن الصراعات حول العالم، أن «الحرب في اليمن شهدت عنفاً متصاعداً خلال الفترة القليلة الماضية، ما ينذر بعرقلة الجهود لاستئناف محادثات السلام، ما يزيد من إضفاء الطابع الإقليمي على الصراع ويزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية المريعة أصلاً».
وأوضحت المجموعة الدولية أنه وللحد من هذا الاتجاه المقلق، «ينبغي أن تهدف الجهود الدبلوماسية إلى منع هجوم التحالف على مدينة الحديدة التي يسيطر عليها الحوثيون، وهي الميناء استراتيجي على ساحل البحر الأحمر».