كما توقعنا قبل أيام بأنّ ثمة صفقة تفاهمات وتحالفات تتم خلف الستار وتُـطبخ بصمت ورويّة على نار هادئة بين دولة الإمارات المتحدة والسلطة اليمنية المعترف بها دولياً «الشرعية»، التي يقودها الرئيس عبدربه منصور هادي، وحزب «الإصلاح»، بعد أكثر من عامين تقريباً من القطيعة ومِـن علاقة متدهورة بينهما.
الزيارة التي قام بها وزير داخلية هادي أحمد الميسري، إلى أبو ظبي، قبل أيام كانت فاتحة عهد جديد بين الطرفين، تلتها زيارة محمد بن زايد إلى الرياض طار على إثرها هادي إلى أبوظبي، وهي الزيارة التي تحمل دلالات سياسية كبيرة، وستفضي إلى تحالفات سياسية مصيرية قد تغير من خارطة التحالفات، وتقلب الطاولة على بعض الأطراف، وستكون دون شك على حساب الطرف الجنوبي.
الإمارات ستعمل، ولو على مضض بفعل ضغط شروط الطرف الآخر وحاجتها لإنجاح مثل هكذا تسوية وهي على مشارف مدينة الحديدة، على ترشيـد دعمها لـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» الذي يحظى بغطائها السياسي والعسكري والمالي، وتوعِـز له بأن ينحو منحىً سياسياً تصالحياً مع «الشرعية» بكل أطرافها بما فيها «الإصلاح»، وليس فقط الدائرة المحيطة بالمؤسسة الرئاسية، وأن «يبلع» لسانه الإعلامية والسياسية ولو مؤقتاً وينحني لـ«الشرعية» تحت تأثر العاصفة الإماراتية المفاجئِـة، ولا نعتقد أن «الانتقالي» سيجازف بهذه المرحلة المفصلية ويتمرد أو حتى يتملّص من هكذا شرط، ما يعني مزيداً من النزيف السياسي الجنوبي.
الخطوات التصالحية التي تنتهجها الإمارات في هذه الأيام، ليست بمعزلٍ عن الجانب السعودي ولا الأمريكي، وهي بأمس الحاجة لدعم سياسي وعسكري عربي وأمريكي لإنجاح خططها في اقتحام مدينة الحديدة، برغم التحذيرات الدولية من شن هكصا عملية. فــ«الزيارة التي قام بها السفير الأمريكي باليمن لمأرب معقل حزب الإصلاح، (إخوان اليمن) تصبُّ في موضوع الحديث عن اقتحام الحديدة، حيث من المتوقع أنه قد طلب من الإصلاح: تلطيف الأجواء مع التحالف بهذا الوقت بالذات، ودعم يمني، من كل الأطراف اليمنية المناوئة للحركة الحوثية بمَـن فيها الإصلاح، أو في أسوأ حال تحييد خطابه الإعلامي الهجومي تجاه أبو ظبي، وتجاه المؤتمر الشعبي العام وقواته التي يقودها العميد طارق».
مُضيّ الإمارات -الحليف الرئيس للجنوب وبالذات «الانتقالي»- قُـدماً صوب مدينة الحديدة وصوب العُمق الشمالي بشكل عام، سينسحب سلباً على الطرف الجنوبي، سياسيا وعسكريا إلى حد كبير.
في تصورنا أن الإمارات لن تتخلى عن «الانتقالي» في هذه المرحلة ولا في المستقبل، فهي بحاجة له اليوم وغداً لنفسها، وإنفاذاً لرغبتها بتحقيق مصالحها ستدير ظهرها له نصف استدارة، وسيخف وهج دعمها له وللقوى الجنوبية التحررية نسبياً مراعاة لتخوفات القوى اليمنية، وذلك قياساً بما كان عليه هذا الدعم قبل اقتحامها الافتراضي للحديدة.
وسيضعف وهج هذا الدعم أيضاً مع اقتراب الامارات من تحقيق أهم أهدافها وتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية غير المعلنة، والمتمثلة بتثبيت موطئ قدمها بشكل أكثر رسوخا في المناطق التي تتطلع إليها في اليمن وفي القرن الأفريقي والبحرالأحمر، والممتدة على طول الشريط الساحلي اليمني، من المهرة شرقا إلى عمق البحر الأحمر غرباً مرورا بعدن والجزر، خصوصاً وأنها قد تعرضت لنكسة كبيرة بالمنطقة خلال الشهرين الأخيرين، بعدما استغنت كل من الصومال وجيبوتي عن الشركة الإماراتية العملاقة «شركة موانىء دبي العالمية»، بإيعاز قطري تركي واضحين.
الجنوب وحده من سيخرج «فاضي اليدين من هذا المولد الكبير وبلا حمّص»، ليس فقط أنه لن يكسب شيئا من ذلك، بل إنه سيكون الخاسر الأكبر وستغرز بجسده أنياب ومخالب هذه التسويات القاتلة، وسيتعرض لخسارة سياسية، حين يجد «التحالف» بأن الجغرافيا الشمالية أو جزءً منها، وبالذات أهم موانئها، على الأقل، قد باتت تحت سيطرته وفي متناول يد القوى اليمنية المرتهنة له، وسيكون بالتالي أبعد من أن يفكر بقضية أسمها جنوب، أو حتى بالسعي لتنفيذ الحد الأدنى من التطلعات السياسية الجنوبية كمشروع الدولة اليمنية من إقليمين ( شمال - جنوب) بحدود 90م.
فمنطقياً، حين يكون اليمن، أو معظمه، بيد «التحالف»، فلماذا سيسعى أصلاً إلى تقسيمه شمالا وجنوبا، وقد باتت الكعكة اليمنية أو جُلها بيده؟ والجنوب يقدّم العشرات من الشباب يوميا بين قتيل وجريح ومفقود في الجبهات، ناهيك عن الخسارة التي ستضرب صميم وحدته الاجتماعية بعد أن تعود جموع المقاتلين المؤدلجة بالفكر الديني المتطرف من جبهات الساحل الغربي ومن جبهات الحدود السعودية اليمنية، ليشكّل ذلك أكبر تحدٍ على الجنوب سياسيا ووطنيا واجتماعيا.
فبواسطة تلك الجماعات، سيتم نخر الجسد الجنوبي لحسابات سياسية واقتصادية وفكرية وطائفية مدمرة، سيما وأن الجنوب يزخر بالمذهب الشافعي والطُرق الصوفية المسالمة التي تعاني من بطش الفكر الوهابي المتطرف منذ عام 94م، الذي ازداد ضراوة وتغولاً منذ بداية هذه الحرب.
الإمارات وبواسطة الدم الجنوبي، تروم في حربها بالشريط الساحلي واقتحام الحديدة إلى أمرين على الأقل: الأول ترسيخ وجودها بالبحر الأحمر والسيطرة على مزيد من الأراضي على طول الشريط الساحلي، وقطع الطريق أمام التمدد التركي والقطري بهذا البحر. على أن ذلك لن يتأتى لها من دون حليف يمني من أصحاب الأرض ليكون هو المسوّغ القانوني لوجودها، والجدار الحامي من أية هجمات بالمستقبل، ويكون قوة موازية ومجابهة لقوة «الإخوان المسلمي» الممثلين بحزب «الإصلاح»، خصم الإمارات اللدود، وهذه القوة وجدتها ابوظبي بـ«المؤتمر الشعبي العام»، بشقيه العسكري والسياسي، حيث تخطط الإمارات بتمكينه عسكرياً من مدينة الحديدة ومحيطها على الأقل لتكون معقله- ومعقلها بالطبع- السياسي والعسكري، على غِـرار معقل «الإصلاح» في مأرب و«الانتقالي» في عدن.