لا يبدو سرّاً، الحديث عن شركة «بلاك ووتر» الأمريكية المتعاقدة مع دولة الإمارات للقيام بمهام عسكرية وأمنية منذ بدء الحرب في اليمن قبل أكثر من ثلاث سنوات، لكن السر يكمن في صفقات التعاقد بين قيادات جنوبية، من جهة، وبين «بلاك ووتر»، من جهة أخرى. صفقات بموجبها نجحت الشركة في تأسيس أكبر جيش لـ«المرتزقة»، تقوم بتحريكه تنفيذاً لأجندات أبوظبي، ووفرت الشركة بموجب تلك الصفقات الآلاف من العناصر المحلية للقيام بمهام أبوظبي في المناطق «المحررة».

وبحسب معلومات «العربي»، يقف على رأس الشخصيات الجنوبية التي تعاقدت مع «بلاك ووتر» اللواء عيدروس الزبيدي، الذي التقى الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك ووتر» إريك دين برنس، أثناء زياراته إلى أبوظبي، ويرجح البعض أن زيارة الزبيدي إلى واشنطن قبل عامين، وهي الزيارة التي أحيطت بسرية، ولم يلتقِ فيها أياً من الشخصيات الرسمية في واشنطن، كانت الزيارة خاصة لترتيب وضع «بلاك ووتر» في الجنوب. وبعد الزيارة، بدأت مرحلة الاستقطاب للمقاتلين الجنوبيين والشروع في بناء تشكيلات عسكرية وأمنية قوامها 32 لواء في المحافظات الجنوبية. تلك القوات وجدت فيها «بلاك ووتر» ضالتها، ومن خلفها أبوظبي، في تنفيذ المهام العسكرية والأمنية والاستخباراتية، ليس في اليمن وحسب، بل تعداها إلى دول القرن الأفريقي، وهو ما أكدته معلومات عن «تنفيذ أبوظبي مهاماً في الصومال وجيبوتي بوحدات جنوبية». كما أن القوات وخلال العمل الأمني والعسكري في السنوات الماضية، أصبح لديها كفاءة جعل من الشركة تستغتي عن عناصرها الأجانب في اليمن.
وفيما يخص تكاليف تلك القوات، تكشف المصادر أن القوات الجنوبية أقل مقارنة بجنود الشركة الكولومبيين وبقية الجنسيات الأخرى الذين شاركوا في القتال في الأشهر الأولى للحرب في اليمن، بأجر يومي 150 دولاراً، مع ضمانات السلامة بعد انقضاء فترة المهمة القتالية، وكفالة عوائل القتلى، فيما يتقاضى الجندي الجنوبي 37 دولاراً، بدون لكن تلك المبالغ لا يصل للعنصر الجنوبي غير ثلثها ويتقاضاها شهرياً، وما تبقى يذهب إلى قيادة التشكيلات. وبحسب المصادر، من تلك التشكيلات التي ترتبط بـ«بلاك ووتر» بشكل مباشر «قادة ألوية الحزام الأمني والنخبتان الشبوانية والحضرمية، وقوات الأمن التابعة للواء شلال شايع، وقوات مكافحة الإرهاب التي يقودها يسران المقطري». وكل من تلك القوات لا تخضع لقيادة موحدة، ولا يمتلك «المجلس الانتقالي» الحق في توجيهها، كما لا توجد غرفة عمليات مشتركة، وكل قادة الوحدات ترتبط مباشرة بـ«بلاك ووتر».

ويؤكد مطلعون أن مرحلة تشكيل تلك القوات رافقها تضليل للجنود الجنوبيين الذين انخرطوا في تلك التشكيلات على اعتبار أن مستقبل تلك القوات هو جيش دولة الجنوب القادمة، ولا يعلمون أن ارتباطهم بشركة أمنية خاصة تمتلك تجربة سيئة في خوض حروب قذرة في كل من العراق وليبيا وأفغانستان، ونفذت جرائم ورفعت شعار «أقتل ثم تأكد». وبحسب المعلومات التي حصل عليها «العربي»، فإن «بلاك ووتر» تدير اثنين من المعتقلات في مدينة عدن، عبر جهازها الأمني في المدينة، ويمارس خبراء الشركة من الجنسيات الأجنبية التحقيق والتعذيب مع المعتقلين.
ويؤكد مراقبون أن فشل الجهود لدمج تلك القوات بالجيش والأمن التابع لحكومة الرئيس عبدربه منصور هادي، يعود إلى ارتباط قيادات تلك الوحدات باتفاقيات تجارية مع «بلاك ووتر»، تمنح الأخيرة بموجبها مبالغ مالية هائلة مقطوعة لتلك القيادات مقابل توفير العناصر البشرية.

وبحسب المعلومات، فإن الشركة تدير جيشاً متنوع الولاءات، وتستخدمه طبقاً لأهدافها. فبعض الوحدات تنتمي للفكر السلفي، والبعض لـ«الحراك الجنوبي»، إضافة إلى وحدات سرية تستخدم في التصفيات والاغتيالات والاعتقالات.
ويرى مراقبون أن خطورة ما تقوم به «بلاك ووتر» في الجنوب يتمثل في إبعاد أبوظبي عن أي مساءلات قانونية تتعلق بالجرائم المرتكبة خلال السنوات الثلاث الماضية في الجنوب، إضافة إلى عملية خداع وتضليل تمارسها تلك القيادات برفعها شعارات وطنية، من أجل استقطاب المقاتلين، وهو ما لا يعرفه الجنود المنتمون إلى تلك الوحدات، حيث أنهم يساقون إلى الموت في أبخس عملية بيع بالأجر اليومي، بينما تكسب تلك القيادات ملايين الدولارات في تلك الصفقات.