ساهم الصراع الناعم، وأحياناً الخشن، بين قوى «التحالف العربي»، الإماراتي السعودي تحديداً، في تأخير عملية تحرير مدينة تعز، وتعطيل نفوذ قوى «الشرعية» غير المنسجمة مع توجهاتها، وتركها تستنزف ذاتها في معركة منسية، لا أفق لها. ولم تكتف تلك القوى في استنزافها بمعارك عبثية يذهب ضحيتها العشرات يومياً، بل عمدت لإذكاء نار الصراع الداخلي بين مكونات تلك الفصائل المتعددة. اليوم، وبالتزامن مع الحديث عن موسم «الرحلة إلى الحدود»، دخلت تعز فصلاً جديداً من الاستنزاف الممنهج والمخيف.
مصادر عسكرية مطلعة أكدت لـ«العربي»، أن «المئات من الشباب المجندين، في صفوف القوات الموالية للشرعية، وأخرين غير مجندين غادروا جبهات تعز، التي ظلوا مرابطين فيها منذ قرابة أربعة أعوام، إلى جبهات الحدود السعودية، المتاخمة لميدي وصعدة وغيرها».
وأضافت المصادر أن «هناك شبكة مافيا منظمة في تعز ومآرب والرياض، تتاجر بأبناء اليمن وتعز على وجه الخصوص، حيث يقدم سماسرة المافيا المكلفون باستقطاب شباب تعز التسهيلات والمغريات ابتداءً بتكاليف المواصلات ومصاريف الطريق وتذليل كل الصعاب وانتهاءً بالاستقبال الجيد».
وتؤكد المصادر أنه «لايكاد يمر يوم إلا وعدد من الباصات تخرج محملة بخيرة شباب تعز بإتجاه البقع والوديعة ومأرب وحرض وغيرها من مناطق الحد الجنوبي للمملكة»، وأفادت بأن «قيادات عسكرية عليا في قيادة المحور، وقيادات بعض الألوية العسكرية بتعز، تدير شبكة المافيا، وتعمل على نقل الأفراد إلى جبهات الحدود السعودية وبطريقة منظمة»، وكشفت عن «مبالغ طائلة تحصل عليها هذه القيادات، حيث تحصل على كل فرد مبلغ 2000 ريال سعودي، بالإضافة إلى أخذ عمولة من الأفراد تصل إلى أخذ مرتبين أو ثلاثة أي بمعدل من 4 إلى 6 آلاف ريال سعودي»، مؤكدة أن «قرابة 500 فرد غادروا تعز، إلى جيزان ونجران، خلال الشهرين الماضيين».
مخزن بشري للموت
قبل أسابيع قليلة جندت شبكة المافيا، في منفذ الوديعة، قرابة 400 مقاتل، معظمهم من أبناء مدينة تعز، وضمتهم إلى معسكر تدريبي لفترة وجيزة قبل أن تزج بهم للقتال في جبهات الشريط الحدودي للسعودية، المتاخمة لحجة والجوف وصعدة، لتعويض النقص في صفوفها جراء الخسائر المتوالية التي تتعرض لها القوات السعودية من قبل مقاتلي حركة «أنصار الله»، والقوات الموالية لحكومة الإنقاذ بصنعاء، منذ انطلاق «عاصفة الحزم» العام 2015م.
إلى ما وراء الحدود اليمنية السعودية، يسافر المئات من الشباب كرهاً، للبحث عن فرصة أخيرة يؤمّنون فيها حياتهم البائسة. الشاب مصطفى علي سعيد، أحد أبناء مدينة تعز، كان واحداً منهم، يسرد لـ«العربي»، قصته قائلاً «عرض عليَّ أحد القيادات العسكرية في المدينة، الذهاب إلى السعودية للقتال في جبهة الحدود، مقابل راتب لا يقل عن ألفي ريال سعودي، شريطة أن يكون راتب أول شهرين له».
أرقام وهمية
ويتابع «كان العرض مغرياً بالنسبة لي، فأنا ومنذ ثلاثة أعوام في الجبهة لم أتحصل سوى على سبعة رواتب فقط، وفي معظم الأيام استدين حق القات وأذهب للمرباطة في الجبهة»، ويضيف «تحركنا أنا وقرابة خمسة عشر فرداً من تعز، إلى منفذ الوديعة، وهناك استقبلنا أحد الضباط، وتم إدخالنا في معسكر شبه رسمي، مكثنا فيه قرابة شهرين، يصرفون لنا الأكل والشرب، و2500 حق القات، تتتظر تصاريح الدخول والرقم العسكري»، موضحا أنه «وبعد شهرين تم منحنا الرقم الإستخباراتي والعسكري، ودخلنا إلى الأراضي السعودية، وتم توزيعنا على أماكن متفرقة في جبهات الحدود اليمنية، السعودية، وكنت أنا و50 فرداً في جبهة جيزان».
ويواصل مصطفى حديثه، وبمرارة ممزوجة بالقهر والوجع، يقول «تم تسليحنا بأسلحة خفيفة، وتقدمنا الصفوف الأمامية للمعركة، وأثناء عملية الهجوم، لم نمر سوى بضعة أمتار، حتى وقعنا أمام شبكة ألغام كبيرة، ذهب ضحيتها زملائي جميعهم، أكرم ومحمد ومشتاق، ولم ينج إلا أنا وزميلي بسام فقط، لأننا كنا في المؤخرة».
ويؤكد مصطفى أنه «وبعد أن عودتنا أبلغنا القائد أنه تم انتشال الجثث ودفنها، وظللت بعدها عدة أسابيع، أعمل على مستحقات بعض الزملاء الذين سقطوا، لكنني تفاجأت أن الأرقام العسكرية التي منحت لنا وهمية وليس لها علاقة بالجيش الوطني»، وأشار إلى أنه وزميله بسام «تمكنا من الفرار والعودة إلى منفذ الوديعة من خلال أحد الضباط الذي دفعنا له 5 آلاف ريال سعودي مقابل ذلك»، لافتاً إلى أنه «لن يشارك بعد الآن بأية معارك كون المسألة كلها تجارة واسترزاق بدماء الناس».
قصة مصطفى، واحدة من القصص الكثيرة المحزنة التي تسوقها الحرب لأبناء محافظة تعز، التي حولتها «الشرعية» وقوات «التحالف العربي»، إلى مخزن بشري لمحارقهم العسكرية.
سباق إماراتي سعودي لاستنزاف تعز
ويبدو أن الإمارات أغراها ذلك التحشيد السعودي لأبناء اليمن بشكل عام وأبناء تعز بشكل خاص، فذهبت هي الأخرى، ومن باب المناكفة والاستنزاف، إلى مضاعفة الإغراءات والأجور لاستقطاب مقاتلين من مدينة تعز، والزج بهم في معارك الساحل الغربي.
مصادر عسكرية في القوات الموالية للرئيس هادي بتعز، أكدت لـ«العربي»، أن «الفصائل المسلحة الموالية للإمارات في المدينة عملت وخلال الأشهر الأخيرة، على استقطاب ما يزيد عن ألف فرد من أفراد الفصائل كافة، للقتال في جبهات الساحل الغربي ضمن ألوية العمالقة».
وأوضحت أن «استقطاعات رواتب المجندين، وصراع الفصائل، والوضع المادي المتردي دفع بالكثير من الافراد، الإنخراط في تلك الجبهات بحثا عن فرص عمل نسبة الموت فيها أكبر نسبة الحياة»، مشيرة إلى أن «تعز اليوم أصبحت ساحة للموت وصيد ثمين للسعودية والإمارات، من لم يمت على أرضها قتلا أو جوعا مات بغيرها وهو يبحث عن الحياة ولو في فوهة مدفع».
سماسرة... وسوق سوداء
اليوم، لم تعد عملية استقدام المقاتلين اليمنيين إلى الحدود السعودية والزجّ بهم لقتال قوات «أنصار الله» في الحدود، بعد أن خسرت المئات من جنودها الذين قتلوا في جبهات جيزان ونجران وعسير، مقتصرة على بعض المحافظات الجنوبية فقط، بل توسّعت وبشكل مخيف، في عدد من المدن اليمنية الشمالية والجنوبية، وصارت اليمن كلها سوق سوداء للموت، تديره «مافيا الرياض» و«سماسرة الشرعية».
ضابط يمني، يقاتل في صفوف القوات السعودية بمدينة نجران، أكد لـ«العربي» أن «الشريط الحدودي، من ميدي حتى البقع كل المقاتلين فيه يمنيين، أما الضباط السعوديين لا يشاركون في المعارك، ويقتصر دورهم على الإشراف والتوجيه والتخطيط فقط، ودفع الرواتب للجنود اليمنيين».
وأفاد الضابط الذي فضّل عدم ذكر اسمه، بأن «الأرقام العسكرية التي منحت للمقاتلين اليمنيين في الأراضي السعودية مزيفه، ولا علاقة لها بالجيش الوطني، لا من قريب ولا من بعيد، وكلها تحت مسميات ألوية شخصية»، موضحاً أن «هناك تواطئ من قبل الحكومة الشرعية مع قيادات عسكرية عليا، مكلفة بالإشراف على القوات اليمنية وهي في الأساس تمارس دور السمسرة».
4 معسكرات سعودية
وقال «باستطاعتك أنت أن تنسق أمورك مع الجانب السعودي واليمني وتقول لهم أشتي أروح الوديعة أحشد وأصلح لي لواء، وهم ما بيقصرون معك ويعطوك رتبة عميد ويوجهوك إلى المكان المحدد لك في الجبهة، وتهجم أنت وأفرادك وتقاتل وتسيطر على مناطق».
وباختصار شديد يصف الضابط اليمني الوضع هناك قائلاً «هنا القيادات يهبرون والأفراد يُقتلون، والشهيد الله يرحمه، والجريج الله يعينه لا يلتفت إليه أحد»، ويكشف عن «وجود أربعة معسكرات سعودية في مدينتي نجران وجيزان يتم إستقبال المجندين فيها، بالإضافة إلى معسكرين في منفذ الوديعة يتم فيهما تجميع واستقبال الأفراد لترحيلهم إلى المعسكرات السعودية».
من عموم مناطق اليمن، التحق شباب كثر بمعسكرات التدريب السعودية، منهم من لا يزال يمارس عمله هناك، فيما البعض لم يعد على قيد الحياة، ولم يساعد الحظ أسرته في إلقاء نظرات الوداع الأخيرة على جثمانه؛ فمن يسقط في تلك المعارك بالكاد يجد لجسده حفنة تراب، إن لم يكن فريسة الوحوش البرية.
التعليقات