عادتْ ظاهرة الاغتيالات التي تستهدف عدداً مِـنْ الرموز المختلفة في مدينة عدن - جُلها أمنية ورجال دين- لتطل برأسها من جديد بشكل خطير، بعد هدوء نسبي في الأسابيع القليلة التي تلتْ الاتفاق - غير المُعلن- الذي أبرمته حكومة «الشرعية» مع الإمارات والسعودية وبعض القوى الجنوبية، قُبيل الحملة العسكرية المتعثرة التي قادتها الإمارات صوب مدينة الحُديدة في الساحل الغربي، والذي بموجبه سمَحَ «التحالف» للرئيس عبدربه منصور هادي وحكومته بالعودة إلى عدن.
فلم تمُرُ سوى 24 ساعة على جريمة اغتيال ضابط بحث السجن المركزي في المدينة، سيف الضالعي، حتى استهدف مجهولون السبت، نائب مدير أمن المحافظة، أبو مشعل الكازمي، بقنبلة يدوية ألقاها أحدهم على منزله، أصابته بإصابة متوسطة، وذلك بعد أقل من ساعة على اغتيال إمام جامع عبدالله عزام، في حي المعلا، الشيخ محمد راغب بازرعة، كاستئناف لعمليات اغتيال رجال الدين، التي قضتْ على العديد منهم في عدن ومحافظات أخرى، من دون أن يعرف مصير العناصر الإرهابية التي بعضها وقع بيد «التحالف».
لا شك أنّ الوضع الأمني المتردي في عدن، هو جزء مصغَر من وضع أمني شامل غاية بالسوء والتعقيد في عموم الجنوب، بل وفي عموم اليمن، وصورة عاكسة للوضع السياسي المضطرب، منذ أكثر من ثلاث سنوات، هي عُـمْر حرب مدمرة، مع استمرار انسداد أفق التسوية السياسية، ونتيجة طبيعية لتداخل قوى محلية وإقليمية متعددة المشارب والأهداف، بالشأن الجنوبي، بعد أن أصبح ميداناً لصراعاتها، وملعباً رحباً لتصفية حساباتها السياسية والفكرية الإقليمية والمحلية، خصوصاً بعد نشوب الأزمة الخليجية بين السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة، وقطر من جهة ثانية، وهي الأزمة لتي ألقت بظلالها الداكنة على الوضع في اليمن والجنوب، تحديداً من خلال حرب ظاهرة وخفية بين قطر، التي تؤيد حزب «الإصلاح» (إخوان اليمن) وهذه الدول وبالذات الإمارات، وما جرى في جزيرة سقطرى قبل أشهر، وما يجري اليوم في المهرة من صدام قطري - سعودي - إماراتي غير مباشر هناك، مثال على ذلك. هذا علاوة على تصادم المشاريع السياسية والفكرية والاقتصادية لهذه القوى في الجنوب، كامتداد لصراع في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فضلاً عن أطماعها السياسية والاقتصادية والجغرافية في البر والبحر.
يأتي هذا، في ظل تداخل مهام الأجهزة الأمنية والعسكرية «المفترضة»، وتعدد وولاءاتها لقوى في الداخل والخارج، وطرق تشكيلها، والتي تأخذ بعضها شكل الكيانات الجهوية العصبية والحزبية، بعيداً عن شكل المؤسسة الأمنية الرسمية، ليسهل بالتالي، التحكم بها عن بُعد، وهذه المؤسسة الأمنية الرسمية، تتعرض لحرب شعواء واستهداف لا هوادة فيه، وبالذات في عدن، لغرض تقويض جهودها، أو بالأصح ما تبقى فيها من أشلاء مؤسسة، من زمن الدولة الجنوبية المغدور بها.
وفي ظل عبث حزبي وسياسي واضح، تقوم به جهات داخل عدن وداخل سلطة «الشرعية»، يطال الحالة الأمنية في عدن وغير عدن، حسابات سياسية بحتة، يشكل المال ركيزة هذا العبث ويمثل الهدف السياسي الغاية منه، في ظل وضع معيشي مريع يعصف بالوطن من كل الجهات، وانهيار متواصل للعملة المحلية «الريال»، حيث انحدر سعره أمام الدولار إلى 510 ريالات، حتى مساء السبت، مع تفاقم أزمات الخدمات الضرورية بشكل مخيف في الأيام الأخيرة، ومنها مادة الوقود بكل مشتقاته، واختناقات المياه والكهرباء في عموم عدن، واشتعال نار الأسعار إلى مستوى غير مسبوق، مع تراشق الاتهامات بين كل القوى في الساحة، ومنها «المجلس الانتقالي الجنوبي»، الذي يصب جام غضبه على فساد حكومة هادي وحزب «الإصلاح»، بل وتراشق حاد بين قوى داخل هذه السلطة نفسها، حيث يتهم كل منها الآخر بالفساد، كالذي أطلقته أخيراً مديرة شركة النفط في عدن، انتصار العراشة، التي اتهمت حكومة أحمد بن دغر، بمحاباة التاجر أحمد العيسي، الذي تتهمه الشركة بالفساد وبالاستحواذ على كل مقدرات النفط، بما فيها المصافي وخزانات الوقود، وبالتلاعب بالأسعار، بمباركة الحكومة، ويتنصل من كل الاتفاقات مع الشركة.
وفيما اكتفى «الانتقالي» بالتهديد «الأجوف» بإسقاطه لحكومة «الفساد»، تتصاعد وتيرة تدهور الأوضاع في عدن وعموم الجنوب، وبالذات الأمنية والمعيشية، ناهيك عن تعقد الوضع السياسي أكثر فأكثر مع خطاب إماراتي يلمح إلى وصوله إلى قناعة استحالة الحسم العسكري، وإلى احتمالية إعادة الجنود الإماراتيين إلى ديارهم، كما ورد صراحة قبل يومين، على لسان مستشار الشيخ محمد بن زايد، عبدالله عبدالخالق، بالتزامن مع أصوات خليجية، باتت تجهر بذات التوجهه علانية.