مع طول أمد الحرب اليمنية التي دخلت عامها الرابع، منذ أن دخل «التحالف» بقيادة السعودية على خط الأزمة، أصبحت اليمن ساحة كبيرة لتصفية حسابات الصراع الخارجي، وبات الشريط الساحلي تحديداً، يشهد سباقاً محموماً بين تلك الأطراف للسيطرة عليه. اليوم بدا واضحاً أكثر من أي وقت مضى، أن الإمارات عينها على البحر العربي، في حين تضع السعودية البحر الأحمر نصب عينيها. وبما أن تعز تعتبر موقع جيوستراتيجي هام يربط بين البحر الأحمر والبحر العربي، فإن دائرة الصراع المتعددة الأطراف باتت تتسع يوماً بعد آخر. وبعد كل الإخفاقات المتكررة التي تلقتها دول «التحالف» (السعودية والإمارات) تحديداً، وذاق ويلاتها جنودهما في الشريط الساحلي اليمني، يرى مراقبون أن تحركات فعلية حثيثة للتدخل التركي بدأت تبرز في اليمن، وفي مدينة تعز على وجه الخصوص.
على الرغم من أن تركيا كانت قد حدّدت أولوياتها من الأزمة اليمنية، باعتبار اليمن موقعاً مهمّاً بالنسبة لمصالح أنقرة الجيوستراتيجية في البحر الأحمر وباب المندب، إلا أن مشروع النفوذ التركي في اليمن ظل يلملم أوراقه بتحركات ناعمة وسرية للغاية. منذ أن أطلق «التحالف» بقيادة السعودية عملية «عاصفة الحزم» العام 2015، لم تكن تركيا لاعباً رئيسيّاً في الأزمة اليمنية، بل ذهبت السعودية والإمارات إلى تهميش الدور التركي فيها تدريجياً، وعملت الرياض على عرقلة الجهود الإنسانية التركية من خلال اعتراضها على سفنها الإنسانية في عدن. وفي المقابل، صعَّدت أنقرة من حدة الصراع فأجلَّت اجتماع مجموعة الاتصال لـ«منظمة المؤتمر الإسلامي» الخاصة باليمن - والذي كان من المفترض أن يعقد في إسطنبول - إلى أجل غير مسمى.
اليوم ومع مساعي الإمارات للتوسع في اليمن وإعداد قوات تابعة لها في المحافظات الجنوبية وتعز، على حساب تواجد حزب «التجمع اليمني للإصلاح» (إخوان اليمن) الذي تصنفه أبو ظبي كيانا إرهابيا، وبالتزامن مع الأزمة الخليجية الدائرة بين قطر (الداعمة للإخوان) ودول خليجية إلى جانب مصر، اتجهت تركيا وقطر إلى إيجاد جناح «صقور» في حزب «الإصلاح»، يعمل بمعزل عن قياداته الرسمية وينشط بشكل علني ضد «التحالف»، وتزايدت حركة التوغل التركي في اليمن عبر قوتها الناعمة والخاشنة.
مصادر سياسية مطلعة، في حكومة «الشرعية»، أكدت في حديث إلى «العربي»، أن «السفير التركي في اليمن اجتمع مع قيادات من حزب الإصلاح بتعز، وأخرى من الحراك الجنوبي أكثر من مرة في العاصمة السعودية الرياض»، كاشفاً أن «السفير التركي أبلغهم أن تركيا تولي اهتماماً متزايداً بمدينتي عدن وتعز». وأضافت أن «قيادات عسكرية ومدنية تتبع حزب الإصلاح في تعز، تلقت دعما كبيرا من قبل تركيا، بهدف تشكيل لواء عسكري»، موضحة أن «قائد المقاومة الشعبية في تعز حمود المخلافي وقيادات أخرى في تركيا تتولى مهمة التنسيق والإشراف على الخطة».
وفي السياق، أكدت مصادر عسكرية، في القوات الموالية للرئيس عبدربه منصور هادي بتعز، في حديث إلى «العربي»، أن «قيادات عسكرية عليا موالية للإصلاح بتعز، بينها نجل قائد محور تعز، القيادي في اللواء 145 مشاة جبلي، شكيب خالد فاصل، تلقت أموالاً كبيرة من قطر وتركيا، لإنشاء معسكر خاص بالجناح التركي القطري في حزب الإصلاح لمواجهة الإمارات في تعز». وأوضح أن «المعسكر والذي يتم الإعداد له في مديرية الشمايتين بتعز، هو لهدف جمع عناصر حزب الإصلاح الرافضة للتوجهات الإماراتية واستقطاب أعضاء جدد إلى المعسكر، الذي سيحمل إسم معسكر سلمان الحزم»، مشيراً إلى أن «القيادات العسكرية والوجاهات الاجتماعية المناهضة للإمارات في تعز هي التي تعمل على الاستقطاب، بينما تبدي القيادات المعتقة معارضة شديدة باعتبار هذا النشاط سيسحب البساط من تحت أقدامها ويمكن من انقلاب شامل في الحزب».
ولفت المصدر، الذي فضل عدم ذكر إسمه، إلى أن «أعداداً كبيرة من مقاتلي الإخوان الذين ذهبوا للجهاد في سوريا، تم نقلهم مؤخراً إلى المناطق المجاورة للحدود التركية (هطاي) بعد فشلهم أمام الجيش السوري، ومن ثم تم إعادتهم إلى محافظتي عدن وتعز».
وبحسب معلومات مؤكدة، فإن «توجيهات من قبل الحكومة الشرعية صدرت للمصارف الواقعة تحت سيطرتها، قضت بعدم استلام أو تسليم أية مبالغ مالية باسم قيادات حزب الإصلاح في تركيا». وأفاد مصدر مسؤول، في بنك «التضامن» بتعز، في تصريح خاص لـ«العربي»، بأن «إدارة البنك رفضت ووفقا لتوجيهات وزارة المالية في الحكومة الشرعية، استلام حوالة مالية مرسلة بإسم الناشطة توكل كرمان، بمبلغ 200 ألف دولار، مقابل أنشطة خيرية واغاثية».
وعلى الرغم من أن التدخل التركي في تعز أصبح ملفتاً للنظر، فإنه لم يكن وليد اللحظة، إذ أن المدارس التركية في اليمن، وتعز على وجه الخصوص، عملت ومنذ فترة ما قبل الحرب على استقطاب الطلاب المتميزين، من خلال إعطائهم منح تعليمية، إلى تركيا. الطالب في المدرسة التركية، فرع تعز، أنس الحميري، أوضح في حديث خاص، لـ«العربي»، أنه «حصل وقرابة خمسين طالباً من مختلف فروع المدرسة التركية في اليمن على منح تعليمية إلى تركيا، مطلع العام 2015م»، مضيفاً «بعدما وصلنا إلى اسطنبول تم توزيعنا على جامعات وتخصصات متعددة، وبعد قرابة شهرين من الانتظام في العملية التعليمية في تلك الجامعات تم توزيعنا على حلقات تنظيمية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين».
وكشف الحميري، أن «قيادات حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) عقدت عدة اجتماعات معهم داخل معسكرات تدريبية خاصة»، مشيراً إلى أن «الكثير من زملائه عادوا إلى اليمن، وانخرطوا في صفوف الجيش والمقاومة الشعبية، وتم منح الكثير منهم رتب عسكرية ومناصب قيادية عليا في الجيش».
وبالمقابل، يرى مراقبون أنه «ليس هناك أية إثباتات تؤكد تدخلاً تركياً في تعز أو في غيرها من المدن اليمنية». الناشط السياسي، صلاح الشيباني، أكد في حديث إلى «العربي»، أنه «كان هناك تنسيق في البداية بين السعودية كقائد للتحالف وتركيا، لكن بعد انتزاع الإمارات من تحت الطاولة للقرار السعودي، تم إخراج قطر من التحالف، وقبل قطر تم قطع أي تنسيق بين التحالف وتركيا».
وأضاف أن «الإمارات تدفع أنصارها للضجيج بأكاذيب وجود مساعي تركية أو قطرية هنا أو هناك لتغطية تحركات نفوذها في الساحل الغربي لليمن»، موضحاً أن «وجود قادة مقاومة تعز في تركيا ليس أكثر من لجوء بعد أن ضغطت الإمارات لإخراجهم كونهم يشكلون عقبة أمام تمرير مشاريعها في المدينة». وأشار إلى أن «قادة الإصلاح أو المقاومة اللاجئين في تركيا، أصبحوا خارج المعدالة العسكرية في تعز تماما».
واعتبر الكاتب والناشط السياسي، حلمي الحمادي، أن «العام 2022 سيمثل نقطة تحول في صراع النفوذ، حيث أنه ستنتهي فيه إتفاقية سايكس بيكو... والذي بموجبه سيحق لتركيا التوسع خارج أراضيها»، لافتاً إلى أن «هذا الصراع الدائر في المنطقه العربية اليوم هو لتحديد من سيحكم المنطقه لـ100 عام القادمة».
وأكد أن «تركيا تمتلك جذوراً في المنطقة، و بموجب قانون المستعمرات سيعود لتركيا حقها في الحصول على مناطق نفوذها السابقه بالتوازي مع حصول الغرب على أماكن تواجدهم السابقة أو ما يسميه البريطانيين، بالحق التاريخي»، مشيراً إلى أن «التواجد الإيراني في المنطقة العربية محدود ولا يخيف الغرب، بل إن توسعهم في المنطقة العربية يصب في صالحهم، لأنه سيكون على حساب مساحه الأتراك في المنطقة».
من كل هذه المفارقات والمساعي الحثيثة بتوسيع دائرة النفوذ والتقارب والتحشيد بين مختلف الاطراف اللاعبة بالورقة اليمنية، تبرز أمامنا جملة من علامات الاستفهام التي لا نستطيع الجزم بها، ووحدها الأيام القادمة هي من ستميط عنها اللثام.
التعليقات