حرب لم تعد منسيّة
رأى «معهد الخليج العربي» في واشنطن أن «هناك دلائل على أن الحرب في اليمن لم تعد منسيّة، بعدما ظل يُطلق عليها خلال الثلاث سنوات ونصف الماضية، وتحديداً منذ دخول «التحالف» الذي تقوده السعودية، وغيّر معالمها بشكل مثير، على أنها «الحرب المنسية في العالم».
وأشار المعهد إلى أن «أبرز ما تم تناوله بشكل متزايد في وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية خلال الأسابيع الماضية، هي الأبعاد المقلقة للغاية للأزمة الإنسانية التي تجتاح اليمن، والتساؤلات عن طبيعة ومدى الدعم العسكري الأمريكي للتحالف، الذي يُلقي باللوم على غاراته الجوية في التسبب في معظم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية في اليمن، فضلاً عن تعبيرات القلق المتزايدة بشأن الحرب وخسائرها، التي تصدر عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية وأعضاء الكونجرس».
واعتبر المعهد أن «المزيد من الاهتمام بمحنة اليمن أمر يستحق الترحيب، كونه سيؤدي إلى المزيد من التدقيق في الحرب، وممارسة الضغوط لوضع حد لها»، لكنه شدد في المقابل على أنه «لابد من الاعتراف بأن سبب جذب المزيد من الاهتمام، هو أن أخبار اليمن سيئة للغاية لدرجة أنه أصبح من الصعب تجاهلها».
ونوه المعهد إلى أن «ظهور صور بقايا ذخيرة أمريكية الصنع في موقع الغارة التي استهدف فيها التحالف حافلة الركاب في صعدة، في 9 أغسطس، وراح ضحيتها عدد كبير من الأطفال، أثار مجموعة من الأسئلة في الشارع الأمريكي، بما في ذلك قاعات الكونجرس، عن سبب استمرار تقديم الولايات المتحدة مساعدة قاتلة للتحالف، بالنظر إلى وقوع إصابات بين المدنيين».
ولفت المعهد الأمريكي إلى أنه «رداً على الأحداث الأخيرة، أضاف الكونجرس الأمريكي بنداً إلى قانون تصريح الدفاع الوطني لعام 2019، الذي يفسر الدعم الأمريكي المستقبلي للتحالف الذي تقوده السعودية بناءاً على شهادة من وزير الخارجية مايك بومبيو، بأن دوله الأعضاء تدعم الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، وتعمل على تخفيف الأزمة الإنسانية في اليمن، وتحرز تقدماً للحد من المخاطر التي يتعرض لها المدنيون».
وأكد المعهد على أنه وبرغم ذلك، «فإن النقد لم يقتصر على سلوك التحالف وحده، حيث أكد التقرير الصادر عن لجنة من الخبراء مع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 28 أغسطس الماضي، أن جميع المقاتلين، بما في ذلك الحوثيين، قد ارتكبوا انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، كما أن رئيس الفريق نفسه، أكد على أن هناك القليل من الأدلة على محاولة أطراف النزاع، تقليل الإصابات في صفوف المدنيين».
واعتبر أنه إذا كان كل ذلك «يُوحي بأن حرب اليمن لم تعد منسية، فإن ذلك لا يعني أنها أقرب إلى النهاية، خاصة بعد فشل المشاورات التي كان من المزمع عقدها في جنيف في 6 سبتمبر، حيث أن ذلك لا يعطي الكثير من التشجيع والحوافز، أو توقع بحدوث انفراجة»، مؤكداً على أنه «لا شيء من هذا يجب أن يأتي كمفاجأة كبيرة، حيث أنه في ظاهر الأمر، يبدو أن هناك القليل من الأسباب التي تجعل المقاتلين الرئيسيين يرون أنه من مصلحتهم المباشرة الموافقة على أي تنازلات جوهرية».
ورأى المعهد أن «السعوديين والإماراتيين قد يكونون أكثر ميلاً إلى التسوية التفاوضية للحرب، نظراً للقلق الدولي المتزايد»، لكنه أوضح «أنهم في مقابل ذلك، لا يرون مجالاً كافياً للتسوية في ضوء استمرار عدم التزام الحوثي بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216، الذي يشكل الأساس لتدخلهم في اليمن»، في حين يَرى المعهد أن «الحوثيين يرون عكس ما يراه التحالف، كونهم ما زالوا يحتفظون بمساحات إستراتيجية واسعة من المرتفعات، بما في ذلك العاصمة، صنعاء، كما أنهم لا يزالون يسيطرون على الحديدة، على الرغم من قرار التحالف ببدء هجوم على المدينة في محاولة لتحريرها».

هادي خارج المعادلة
وذهب المعهد إلى القول «أما بالنسبة إلى هادي، الذي تظل عودته إلى السلطة واحدة من أهداف التحالف المحتملة، فقد يكون أقل اهتماماً برؤية بدء المفاوضات، بالنظر إلى تناقص دعمه السياسي، سواء بين اليمنيين أو في العواصم السعودية والإماراتية، فإنه من المسلم به عموماً، أنه مهما كان الحل السياسي الذي يتم لإنهاء الصراع، فإن دور هادي فيه سيكون عابراً».
وتوقع المعهد أن تكون «موافقة طرفي النزاع على حضور المشاورات التي لم تعقد في جنيف، هو فقط لمجرد تجنب الاعتقاد بأنهم غير مهتمين بأثر الحرب على السكان المدنيين في اليمن»، لكنه أكد أنه «سيكون من العبث تجاهل أهمية جمع أطراف النزاع الرئيسية للمناقشة، لاسيما بعد فترة طويلة من التوقف».
وشدد في ختام تحليله على أن المفاوضات، «هي الصيغة الوحيدة التي يمكن تخيلها لإنهاء حرب لم يعد من الممكن نسيانها، كونها أقل تدميراً وزعزعةً للاستقرار».

إطالة الحرب لا يفيد
أشار معهد «واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» إلى أن «هناك أسباب كافية تجعل الأمريكيين يشمئزّون من الحرب في اليمن، منها ما سجله مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بوجود ما لا يقل عن 17,062 إصابة مدنية شملت 6,592 قتيلاً، منذ مارس من العام 2015، وما أوضحته منظمة هيومن رايتس ووتش، عن الاستخدام العشوائي للألغام الأرضية من قِبل الحوثيين في ست محافظات على الأقل، مما خلّف إرثاً من الضحايا المدنيين سيطول عقوداً من الزمن بعد نهاية النزاع».
ولفت المعهد الأمريكي إلى أن «ظروف الحرب وعمليات التفتيش البحري المرتبطة بالعقوبات، قد أدت إلى تفاقم الأزمة الإنسانية القائمة أساساً في اليمن، ما دفع الأمم المتحدة إلى تصنيفها بالأزمة الإنسانية الأكبر في العالم، كما أن هذه الحرب قد جلبت انتقادات شديدة على المملكة العربية السعودية ووتّرت العلاقات مع الولايات المتحدة».
ونوه المعهد في المقال التحليلي للزميل الأقدم مايكل نايتس، إلى أنه في مقابل ذلك، «باستطاعة الحوثيين وحليفتهم إيران أن يتجاهلوا بسهولة الانتقاد الدولي الصامت حول دورهم الكامل في إطالة الحرب وتعظيم فظائعها، كون الثمن الذي تدفعه إيران مقابل هذه الحرب زهيدٌ بشكل استثنائي، ولا يتعدّى 30 مليون دولار شهرياً، مدعوماً بعدد قليل من المستشارين، في حين أن تكلفتها باهظة جداً بالنسبة للسعودية التي تنفق ما يقدر بـ5 إلى 6 مليارات دولار شهرياً».
وأكد نايتس أن «لا أحد سليم العقل يعتقد أن إطالة الحرب أكثر من الضروري، سيفيد السعودية أو الولايات المتحدة»، مبيناً أن الولايات المتحدة كانت محقّةَ في إلقاء ثقلها وراء مفاوضات سلام بوساطة الأمم المتحدة، على الرغم من أن الحوثيين لم يكلفوا أنفسهم عناء الحضور إلى جولة المحادثات الأولى التي طال انتظارها في جنيف».
وشدد على أنه «وعلى الرغم من فظاعة الحرب اليمنية، فأنه من المهم للغاية ألا يغضّ صانعو السياسات والمشرّعون الأمريكيون النظر عن الحصيلة الإستراتيجية التي كانت الحرب تهدف إلى تجنبها، وهي تحديداً نشوء حزب الله جنوبي تموّله إيران في شبه الجزيرة العربية، ويحيط بمضيق باب المندب وقناة السويس، ويشكل تهديداً صاروخياً جديداً على السعودية وإسرائيل».

واعتبر الباحث الأميركي إن «الزيادة الحادة في القوة العسكرية للحوثيين وطموحاتهم، لم تأتِ نتيجة استيلائهم على ترسانة الدولة اليمنية في أعقاب الربيع العربي فحسب، بل أيضاً في أعقاب زيادة المساعدات العسكرية من إيران وحزب الله اللبناني»، موضحاً أن «الحوثيين انتقلوا في أقل من خمس سنوات، من شن حرب العصابات في محافظاتهم الجبلية إلى القيام بهجمات طويلة المدى تصل إلى 180 ميلاً، واستهداف الرياض بصواريخ بالستية متوسطة المدى إيرانية الصنع».
وأكد نايتس أن «الحوثيين لم يصبحوا حتى الآن وكلاء إيران الخاضعين لسيطرتها»، لكنه شدد في المقابل على أنّ «مستوى النفوذ الإيراني الحالي على الحركة الحوثية قد يتعاظم بسهولة خلال السنوات المقبلة، خاصة إذا تمكّنت طهران من إرسال الأسلحة سراً عبر ساحل البحر الأحمر الخاضع لسيطرة الحوثيين أو عبر وسائل نقل جوية غير مراقبة».
ولفت الباحث الأمريكي إلى أنه «ولأجل كل الأسباب التي أوردها، يجب أن تبذل الولايات المتحدة قصارى جهدها لإنهاء الحرب، وفي غضون ذلك إرغام شركاء التحالف الخليجي على الالتزام بالقتال النظيف»، ولكنه بيّن في المقابل أن «المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة ألا ينتهي أي اتفاق سلام برعاية الأمم المتحدة إلى خط ساحلي على البحر الأحمر خاضع لسيطرة الحوثيين، أو رحلات جوية مباشرة غير خاضعة للتفتيش تهبط في المناطق الحوثية».
وختم نايتس تحليله بالتأكيد على أنه «ينبغي على الولايات المتحدة أن تلتزم بتقديم الدعم غير المحدود للاعتراض البحري لشحنات الأسلحة الإيرانية إلى اليمن، على غرار الأسلحة التي اعترضتها المدمّرة التابعة للبحرية الأمريكية في 28 أغسطس الماضي»، مشيراً إلى أنه «إذا تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا من العودة إلى الماضي ومنع حزب الله من أن يصبح مركز نفوذ، لفعلت ذلك بلمحة عين»، معتبراً أن هذه هي «الفرصة الخاطفة التي لا تزال متاحةً في اليمن».
التعليقات