30 نقطة تفتيش لمسلّحي "أنصار الله" في انتظار أيّ قادم من صنعاء إلى صعدة. تستوقف السّائقين بلوحة حديديّة كُتب عليها "الأمنيات لكم وليست عليكم". بنادق مغلّفة بصور "شهداء المسيرة القرآنية" يتجاوز طول البعض منها طول حامليها من صغار السّنّ الذين لاتتعدّى أعمارهم 18 عاماً. لكن يتوجّب على كلّ سائق التّوقّف وانتظار إشارة المرور بعبارةٍ صارت مألوفة: "أي خدمات". كلّ وجه غير مألوف يقصد صعدة يكون موضع استجواب في أوّل نقطة تفتيش في منطقة عيال سريح خارج العاصمة صنعاء، والتي تمثّل بوابة العبور إلى "الضّاحية الشماليّة". تتصاعد إجراءات التّفتيش وصولًا إلى مديرية خمر في محافظة عمران، هناك يتوجّب على المسافرين الحصول على تصاريح مرور خطّيّة من إدارة أمن المديريّة أو مكتب "أنصار الله"، بعد تدوين هدف الزيارة إلى صعدة، وهاتف أحد قيادات "الحوثيين" أو شيخ قبليّ موضع ثقة لديهم، يتمّ التواصل معه لضمان "حسن سيرة وسلوك الزّائر" وعدم إقدامه على كلّ مايهدّد نفوذ الحركة في تلك المناطق.
حوث: متوالية الصّراع بين السّيّد والشّيخ
في حال تمكَّنتَ من الحصول على تصريحٍ بزيارة صعدة، يقودك خطّ السّير من مدينة خمر إلى نقيل عجمر. هناك تتبدّى أمام ناظرَيك مدينة حوث المستلقية على بساط صخريّ تحيط به مزارع قات "البلوط"، الذي يخترق السّياج الحدوديّ يوميّاً إلى مواقع عناصر الحرس السعودي. هؤلاء يُقبِلون على شرائه بمبالغ مُربِحة لمهرّبيه. في مرتفع عجمر نتوقّف لحظات لنقلب صفحات من تاريخ هذه البقاع. وديان وقلاع وحصون: وادي دنان، حصن حبور، هيجة البطنة، دار نوشان. تنتقل تبعيّتها مع النفوذ والسّلطة من أسرة الى أسرة، من أملاك بيت حميد الدّين الى أملاك آل الأحمر، لتُضمّ الى أملاك السيّد الحوثي منذ بعثر الديناميت في العام 2013 أحجار منزل الأحمر في منطقة الخمري المجاورة لحوث. أسوار المنزل حجبت لما يقارب 40 عاماً سيّارة الشهيد إبراهيم الحمدي (فولكس واجن) التي أقلّته إلى "الغداء الأخير" في منزل الغشمي في ضلاع همدان، ومع تفجير المنزل اقتادها مسلّح "حوثي" ولم يُعرَف مصيرها حتّى اللحظة . المعلّم حسين أبو فارع يختزل جانباً من تاريخ حوث وضواحيها بقوله: "من هنا مرّوا ومنها ذهبوا... لكن القبيلي مكانه عكفي ياكل ويشرب زوامل".

يُجمع السّكّان في حوث على أنّ أسرة الحوثي تنتمي إلى بيت زيد، واحدة من أسر المدينة التي كانت "هجرة" علم كما زبيد وشهارة. الملفت في حوث أنّ السيد أحسن بن أحمد (أبو علي) يرى في نفسه المرجع للمذهب الزّيديّ، ويتحفّظ على ما تضمّنته ملازم حسين الحوثي، وله مئات من التلاميذ والأتباع ينتظمون في حلقات يومية في مسجده في حوث وفي الجامع الكبير في صنعاء ومسجد المدينة القديمة في ذمار، ولا يقصد "الحوثيّون" مسجده في مدينة حوث، كما يتجنّبون الصّدام معه لكبر سنّه ومكانته لدى أبناء المنطقة.
العمالقة وحرف سفيان: بقايا جيش... بقايا مدينة
مشاهد الدّمار والخراب تتوالى على جنبات الطّريق الذي حوّلته غارات "التّحالف العربيّ" الذي تقوده السعودية إلى أوصال متباعدة. بعد مغادرتك مدينة حوث بمسافة 7 كيلومتر يقابلك الجبل الأسود، مقرّ "العمالقة "، الأوّل عدداً وتسليحاً في ألوية الجيش الذي تخطّفته المليشيات وتعدّدت ولاءات منتسبيه وقياداته. "العمالقة" تقزّم أمام زحف "الحوثيين" صوب صنعاء في 2015، واختبأت دبّاباته ومدرّعاته تحت أشجار الطّلح في محيط المعسكر، خوفاً من الغارات التي تتوالى على هيكل دبّابة جوار ميدان التّدريب، كان يقصدها الجنود ظهراً كدكّان لبيع القات. تشقّ طريقك صوب صعدة من وسط حرف سفيان. إنّها مدينة أشباح منذ الحرب السّادسة، لتأتي صواريخ ال f16 على بقايا المنازل من القواعد. الخوف يخيّم على المكان، ونبضات القلب تتسارع حين تشاهد عشرات من رؤوس الأغنام متناثرةً على جانبَي الطّريق في وسط العمشيّة، حيث لاقت رؤوس كثيرةٌ حتفها في غارات طيران تكرّرت أخطاؤه واستنفذ بنك أهدافه.
صالح والزنداني والصّرخة في جامع الهادي
في العام 2001، أسّس محمد يحيى سالم عزان وعبدالكريم جدبان ومحمد بدر الدين الحوثي وأحمد صلاح الرازحي، تلاميذ مجد الدين المؤيّدي وبدر الدين الحوثي، تنظيم "الشّباب المؤمن" بفتح مراكز صيفيّة في المدارس الحكومية لإحياء المذهب الزّيدي، ومواجهة تمدّد السّلفية من مركز الوادعي بدماج. إلّا أنّه في العام 2004، صعد حسين الحوثي بقطار مسيرته المجنزرة على سكّة تنظيم عزّان، ودشّن ورفاقه وتلاميذه شعار "الصّرخة" في جامع الإمام الهادي، أثناء حضور الرّئيس السّابق علي عبد الله صالح والشّيخ عبدالمجيد الزّنداني اللّذين كانا في طريقهما لأداء العمرة. أُتِمّت المناسك وبدأ خراب اليمن. وما بين البداية واليوم، ما يزال الصراع مقترناً بالشّخوص نفسها، والبلد مسرحاً لحرب بالوكالة وفوضى دامية.

أهلًا بكم في مدينة السّلام
عند البوّابة الرئيسيّة لصعدة، يجب على كل من يريد الدخول إبراز بطاقته الشخصية التي تثبت أنّه من مواليد المحافظة، أو تصريح "أنصار الله" لغير أبنائها. لحظاتٌ وتقابلك لوحة متهالكة كُتب عليها "أهلًا بكم في مدينة السلام"، لكن لا شيء يوحي بالسّلام في مدينة اقترنت بالصّراعات منذ ميلادها. ما بين الإمام الهادي يحي بن الحسين القاسم الرّسي في القرن الثّالث الهجريّ، وعبدالملك الحوثي، خرج من صعدة 68 مدّعياً لحقّه في الإمامة. تبحث عن شواهد السّلام فاذا بـ "مقبرة القرضين" التي تحتّل ثلث مساحة مدينة صعدة، فيما تتوزّع على ضواحي المدينة ومديريّاتها "رياضٌ" تستقبل توابيت "شهداء المسيرة" التي تختطّ حدودها بدمائهم. تتّسم "القرضين" بالقباب والشّواهد الصخريّة المصقولة والمخطوطة، في حين يكسو الطّلاء الأخضر "رياض المسيرة"، وتحيط بقبورها الأزهار والنباتات العطريّة، لتغدو مزاراً يوميا لأسر الضّحايا وطلّاب مدارس المحافظة المتوقّفة منذ عام. فزيارات الصّغار إلى المقابر دافعٌ للمضيّ على درب من تحتويهم، هكذا يقول الكبار هنا.
قات وزوامل وبنادق
مع اقتراب الظّهيرة تنتعش أسواق القات، المهذري والشعفي والساقيني، في مدينة صعدة. بحضور القات تحضر البنادق والزّوامل والشّاصات والصّرخة والشّعار ومكبّرات الصوت التي يحملها الباعة المتجوّلون مع صور "الشّهيد القائد وقائد المسيرة وبطولات الجيش واللّجان الشعبية، الذين يعتلون دبّابات البرامز والبرادلي ويقتحمون المواقع السعوديّة في نجران وجيزان وعسير". يتزامن المشهد أحياناً مع غارات لطيران التحالف، فتتعالى زوامل، لطف القحوم، وأبواللّيث، وعبدالمحسن النمري في شوارع المدينة، ويردّد المسلحون بعضاً من وعيدها والثأر من "سلمان والنّظام السعودي وهادي والجنرال محسن والوصول إلى قصور الرياض".

مدارس مغلقة ومتاريس مفتوحة
أكثر من 4 الآف طالب وطالبة حُرموا من التّعليم بعد أن دمّر طيران "التّحالف" القاعات الدّراسية والمباني الإدارية لكليّة التربية في صعدة، التي كانت نواةً لجامعة خُطّط لإنشائها في أواخر حكم صالح. عميد الكلية د. علي حمود شرف الدين قال لـ "العربي" إنّ "غارات الطّيران دمّرت جزئيّاً وكليّاً مباني الكليّة التي يعرف جميع أبناء صعدة أنها لم تكن تحوي شيئاً يشكّل خطراً على المملكة". ويضيف شرف الدين أنّ "كلّ مايدبّ على الأرض كان هدفاً لطيران النّظام السعوديّ الذي يعادي العلم والحياة، ويهدّد استقرار المنطقة والعالم بتصديره الإنتحاريّين والأحزمة الناسفة والمفخّخات ". صرحٌ جامعيٌّ يتيمٌ غدا أكواماً من الكتل الأسمنتيًة ومدارس مغلقة ومتاريس ومعسكرات مفتوحة. لا تندهش إذا شاهدت تلاميذ بزيٍّ مدرسيٍّ مغبرّ، ولفائف قماشيّة لشعار "الصّرخة" على جباههم، ولا يحملون حقائبهم، فهم لم يغادروا للتوّ مقاعدهم الدراسيّة، بل خرجوا من بوّابة معسكر تدريب لتحملهم الشّاصات إلى جبهات القتال ك "مشروع شهيد" تحتلّ صورته "برواز" في معرض لشهداء "المسيرة"، التي تحصد في طريقها يوميّاً قتلى وجرحى.