مع انقضاء العام 2017، واقتراب حرب اليمن من عامها الثالث، حاولت صحيفة «فاينانشال تايمز» الوقوف عند أوضاع البلاد على المستويات السياسية، والأمنية، والاجتماعية والإنسانية.
وفي سياق حديثها عن الوضع الإنساني المتردي في اليمن، وتحت عنوان: «اليمن: (البلد) العالق وسط تقاطع نيران صراع القوى الإقليمية»، أشارت الصحيفة البريطانية إلى تشديد «التحالف» لإجراءات الحصار المفروض على البلاد، خلال نوفمبر الفائت، موضحة أن «الآثار الفورية» لذلك، تجلت في مضاعفة أسعار الوقود، وارتفاع أسعار الأغذية بنسبة تزيد على 30 في المئة، إضافة إلى فقدان العديد من عمّال الموانىء عملهم، لا سيما مرفأ الحديدة، الذي يعد الشريان الرئيسي لواردات البلاد من الأغذية، والأدوية والبضائع المختلفة. ومع أن «التحالف»، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، أعلن تخفيف تدابير الحصار على اليمن، والسماح بدخول المواد الإنسانية والإغاثية بدخول الحديدة لمدة 30 يوماً، قالت الصحيفة «إن تلك التدابير لم تفعل شيئاً يذكر، على صعيد إنهاء معاناة مدينة (الحديدة)، يتسول الأطفال فيها عند معظم زوايا الطرقات، فيما تكافح مستشفياتها، التي تفتقر إلى الموارد، من أجل معالجة الأطفال المصابين بالهزال».
وفي هذا الإطار، أوردت الصحيفة حديث محمد حسن، وهو أحد عمال الميناء الواقع على البحر الأحمر منذ أكثر من عقد، والذي اضطرته ظروفه الاقتصادية الصعبة بعد خسارته وظيفته، إلى أن يخرج ثلاثاً من أبنائه الأربعة، من المدرسة، لكي يعملوا معه في شوارع الحديدة. وقال حسن، البالغ من العمر 35 عاماً للصحيفة: «لم أكن أريد أن يتوقف أبنائي عن متابعة دراستهم، لكن أسعار المواد الغذائية ارتفعت كثيراً على نحو لم أعد قادراً على إطعام أسرتي. وقد كان علي اتخاذ خيار صعب: إما الطلب من أبنائي بيع الحلويات معي، أو الموت جوعاً. فاتخذت الخيار الأول». وزادت الصحيفة أن حسن، الذي يصل ما يكسبه إلى ألف ريال يومياً، أي ما يعادل 4 دولارات، وهو نصف المبلغ الذي كان يحصل عليه في عمله السابق في الحديدة، «يبقى أفضل حالاً من كثيرين» من أبناء اليمن، حيث يقف 8 ملايين يمني على حافة المجاعة.
ومع الإشارة إلى احتدام المواجهة الإقليمية بين المملكة العربية السعودية وإيران، تزامناً مع سعي الرياض إلى إحكام سيطرتها على ميناء الحديدة، باعتبارها عنصراً «حاسماً» لحملتها العسكرية داخل حدود جارها الجنوبي، أوضحت «فاينانشال تايمز» أن اليمن بات «المسرح الرئيسي» لتلك المواجهة، حيث يدخل حليفا الطرفين في «صراع مباشر»، لافتة إلى تداعيات الأمر لناحية «التسبب بأزمة إنسانية» في البلاد، من جهة، وإمكانية «التصعيد خارج الحدود اليمنية». وزادت أن مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، إثر محاولة «التحالف» كسبه إلى صفه، واستغلال نفوذه ودهائه السياسيين لضرب جماعة «الحوثيين»، «أحدث اهتزازة في ديناميات الحرب»، و«ترتب عنه موجة سفك دماء جديدة»، لتكون النتيجة تمكن الجماعة من تشديد قبضتها على صنعاء، دون أن تحظى بالغطاء السياسي الذي كان متوفراً لها عقب تدشين تحالفها مع صالح منذ أربع سنوات. وضمن الإطار ذاته، قال فارع المسلمي، للصحيفة، إن «وفاة صالح طوت مرحلة دموية، وفتحت المجال أمام مرحلة دموية» أخرى. وتابع رئيس «مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية»، أن «كل من يحاول الدفع نحو حل عسكري، يكون له اليد العليا»، مشدداً على أنه «ليس هناك حل عسكري (للأزمة اليمنية)»، وإن كان «الحل السياسي مؤجل»، وسط ترقب لمزيد من «التصعيد» و«الأقلمة» للصراع الدائر في اليمن. بدوره، أفاد بروس ريدل، وهو محلل سابق لدى «وكالة الاستخبارات المركزية» (الأمريكية)، ومدير مشروع الاستخبارات بمعهد «بروكينغز»، بأن «(آلة) الدعاية لدى الحوثيين، تذهب إلى أن اليمن يتعرض لهجمة، بفعل مؤامرة سعودية - أمريكية - إسرائيلية»، مؤكداً على أن «إحدى النتائج الرئيسية للحرب، تمثلت في كونها جعلت إيران وحزب الله والحوثيين أقرب إلى بعضهم البعض».
وعن آفاق الوضع داخل مدينة الحديدة، شددت «فاينانشال تايمز» على أن سكان الحديدة يتخوفون من أن تكون مدينتهم مسرح «المعركة الكبرى القادمة» في الصراع بين قوات الرئيس هادي، المدعومة سعودياً، وجماعة «الحوثيين»، المدعومة إيرانياً. وبحسب ما أفاد به أحد سكان المدينة للصحيفة: «إذا ما وصلت الحرب إلى الحديدة، فإننا سوف نموت جميعاً داخل منازلنا».
أما في المدن والبلدات الأخرى، التي لا يوجد فيها قتال على الأرض، مثل صنعاء، فقد قالت الصحيفة إن «الأمور في ظاهرها تبدو طبيعية، غير أن القاطنين (في المدينة) يعيشون في خوف من أزيز الطائرات الحربية المحلقة» فوقها. أما فيما يخص المناطق التي باتت تشكل خطوط مواجهة بين الأطراف المتصارعة، مثل تعز، التي عرفت فترة ازدهار قبل اندلاع الحرب، فقد أشارت الصحيفة إلى أن «سكان المدينة يعيشون في بؤس، وقلق من الأمراض، مثل مرض الكوليرا»، كما أنهم «لا يعرفون من أين ستأتي وجبتهم المقبلة»، فضلاً عن أن «الآلاف منهم اضطروا إلى مغادرة منازلهم، والانتقال إلى مناطق أكثر أمناً»، فيما يجدون صعوبة في الانتقال من وإلى المدينة حيث تنتشر نقاط التفتيش العائدة لجماعات متعددة، علماً بأن الحرب وفرت بيئة خصبة لتنامي نشاط الجماعات المتطرفة، مثل تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب».
وفي حديث إلى «فاينانشال تايمز»، قال المحلل اليمني رأفت الأكحلي، إن «الطريقة التي أدار من خلالها التحالف تنفيذ عملياته في اليمن، كانت غاية في السوء»، لافتاً إلى إخفاق الغارات الجوية (لطيران «التحالف») في حث الشعب اليمني على طلب «العون السعودي»، كونها جعلت الأمور «أكثر سوءاً». وأكمل الأكحلي، وهو وزير يمني سابق، تلقى تعليمه الجامعي في كندا، أن حكومة هادي المعترف بها دولياً «ضعيفة للغاية»، و«منقسمة إلى أجنحة شتى»، فضلاً عن «تورطها في الكثير من (قضايا) الفساد». كذلك، لفت الأكحلي إلى حالة من «التفكك» و«الانحلال»، باتت ترب شتى نواحي الحياة، من الدولة، والمجتمع في اليمن، إلى أفرقاء الصراع هناك، حيث تتنافس عدة جماعات على السلطة والنفوذ، وكل جماعة منها منقسمة بدورها إلى جماعات أصغر فأصغر، مشدداً على أن هذه الحالة من التفكك تمثل «التحدي الأكبر، حتى في فترة ما بعد انتهاء الحرب». وربط الأكحلي الرهانات على وقف الحرب في اليمن بوجود «جهد دولي جدي» لحل الأزمة، مشيراً إلى أن التوصل إلى حل سياسي لوقفها ممكن، وإن كان الأمر يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.