رأت صحيفة «نيويورك تايمز» أن المملكة العربية السعودية «اتخذت خطوات ملموسة على طريق التحلل من روابطها الاقتصادية مع كندا»، مشيرة إلى أن تلك الخطوات شملت تعليق رحلات الطيران بين الرياض، وأوتاوا، وامتناع الحكومة السعودية عن استيراد البضائع الكندية، بخاصة القمح، علاوة على إيقاف التعاملات التجارية والاستثمارية بين الجانبين، فضلاً عن عزم المملكة سحب مواطنيها، من الطلاب والأطباء، من الأراضي الكندية.
وأوضحت الصحيفة الأمريكية، أن الخطوات المشار إليها، عكست «تصعيداً للخلاف» السعودي - الكندي، على خلفية ملف حقوق الإنسان في المملكة، كما أكدت على أن «طرد السفير الكندي خلال الأسبوع الجاري، يمثل ما هو أكثر من مجرد احتجاج رمزي» من قبل السلطات السعودية على مواقف أوتاوا الأخيرة في هذا المجال.
وشرحت «نيويورك تايمز» أبعاد رد فعل الرياض «القوي»، و«غير المعتاد» بخصوص أزمتها مع كندا، مشيرة إلى أنه «يظهر أن المملكة العربية السعودية، وفي ظل القيادة اليومية لمجريات الأمور من جانب محمد بن سلمان، البالغ من العمر 32 عاماً، تبدي استعداداً لاستخدام ثروتها من أجل ردع الدول الغربية عن انتقاد الطريقة التي تدار بها الأمور داخل النظام الملكي المطلق» القائم في السعودية.
وذكرت الصحيفة أن الأمير السعودي، ومنذ صعود والده الملك سلمان إلى سدة العرش في العام 2015، عمد إلى «اتخاذ خطوات مماثلة ضد كل من ألمانيا، والسويد، رداً على انتقاداتهما» لسياسات المملكة.
وأردفت «نيويورك تايمز» أن كلاً من المملكة العربية السعودية، وكندا لا تزالان «متمسكتان بموقفيهما» حيال الأزمة، حيث شدد رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو على أن «المواطنين الكنديين لطالما توقعوا من حكومتنا أن تتحدث بصراحة، وحزم، وبكل تهذيب، عن ضرورة احترام حقوق الإنسان، سواء في الوطن، أو في جميع أنحاء العالم. وسوف نواصل القيام بذلك»، في حين أكد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أن «جهود الوساطة في النزاع، غير واردة»، وأن الجانب الكندي «بحاجة إلى العمل على إصلاح خطئه الكبير» تجاه الرياض، مضيفاً أن بلاده تدرس اتخاذ «تدابير إضافية» ضد أوتاوا.
أما عن الموقف الأمريكي من الأزمة المستجدة بين الدولتين، اللتين تربطهما بالولايات المتحدة «علاقات ديبلوماسية، واقتصادية متينة»، فقد أوردت «نيويورك تايمز» تصريحات المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية هيذير نويرت، والتي اكتفت بدعوة الطرفين إلى «حل هذه القضية، ديبلوماسياً»، وتشجيع الرياض على «احترام التدابير، والمسارات (القانونية) الواجب اتباعها، ونشر المعلومات حول بعض القضايا القانونية لديها»، شارحة أن موقف واشنطن بدا «محايداً» في هذا الصدد.
وفي هذا المجال، تطرقت الصحيفة إلى الانتقادات الأمريكية «المتكررة»، لوضع حقوق الإنسان داخل المملكة العربية السعودية، لافتة إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية، في تقريرها السنوي حول أوضاع حقوق الإنسان في العالم، «اتهمت المملكة باحتجاز سجناء سياسيين، وتنفيذ إعدامات دون مراعاة للأصول القانونية، إلى جانب اتهامها بتنفيذ اعتقالات تعسفية بحق عدد من المعارضين، والمحامين، والنشطاء الحقوقيين».
وفي محاولتها لشرح تداعيات الازمة على كندا، ولا سيما على القطاع الطبي، شددت «نيويورك تايمز» على أنه «من غير المرجح أن يتسبب سحب الطلاب السعوديين من الجامعات والكليات من كافة أنحاء كندا، بالكثير من الاضطراب» للقطاع التربوي في البلاد، ذلك أن الطلاب الوافدين من المملكة يشكلون ما نسبته «أقل من 2 في المئة، من الطلاب الأجانب». ومع ذلك، فإن «بعض الجامعات الكندية قد يلحقها ضرر، أكثر من غيرها» بسبب الأزمة، مثل «جامعة ريجينا»، التي يشكل الطلاب السعوديون ما نسبته «7 في المئة من الطلاب الأجانب» المسجلين لديها، فضلاً عن أنهم «يدفعون رسوماً تعليمية باهظة».
وفي الإطار عينه، قالت ليفيا كاستيلانوس، وهي مساعدة رئيس الجامعة المذكورة، إن «الثراء الثقافي، الذي يجلبه هؤلاء الطلاب معهم، والأفكار التي يحملونها معهم من بلدان بعيدة ليتشاركونها هنا، تشكل الخسارة الكبرى، على ما أعتقد». وأردفت كاستيلانوس، في حديث إلى «نيويورك تايمز»، أن «الطلاب السعوديين، ذهلوا كونه بات يتوجب عليهم مغادرة منازلهم، وسياراتهم، وأثاثهم ومقتنياتهم، ودراساتهم خلال فترة تقل عن أربعة أسابيع»، وذلك لأنهم «استثمروا الكثير من عمرهم هنا».
وعن تبعات الأزمة على القطاع الطبي في البلاد، على وقع إعلان الرياض أنها حظرت على رعاياها السفر إلى كندا، بغرض العلاج، شرحت «نيويورك تايمز» أن العدد الإجمالي للمرضى السعوديين ممن يتعالجون على الأراضي الكندية، يبقى «غير واضح»، مشيرة إلى أن الأعباء المالية «للعديد من السعوديين ممن يجرون عمليات جراحية، ويتابعون إجراءات علاجية معقدة أخرى، خارج المملكة، تدفع من قبل حكومة بلادهم».
وزادت الصحيفة أن المملكة تتوجه إلى سحب 800 طالب، وكادر طبي من السعوديين، المقيمين في كندا، من بينهم أكثر من 200 في «جامعة تورنتو». من هذا المنطلق، أفاد الدكتور سلفاتوري سبادافورا، أن المهلة المعطاة لأولئك الطلاب، والأطباء، تنتهي نهاية الشهر الجاري. وأكمل سبادافورا، وهو نائب عميد كلية الطب في «جامعة تورنتو»، بالقول «إننا نأمل أن يتم حل الوضع»، في إشارة إلى الأزمة بين الرياض، وأوتاوا.
كذلك، وفي ما يخص انعكاسات الأزمة على القطاع الزراعي في كندا، ذهبت الصحيفة إلى أن «العقوبات (السعودية) قد تطال قطاعات فردية، غير أنه لن يكون لها أثر كبير الاقتصاد الكلي» في الدولة الأمريكية الشمالية. وفي هذا السياق، أوضح كام داهل، رئيس «شركة الحبوب الكندية»، للصحيفة أن «المزارعين أكثر عرضة للضرر، بفعل الصورة الأكبر (في العالم)، والمتمثلة في تصاعد النزعة الحمائية» لدى بعض الدول، في إشارة إلى الولايات المتحدة، وإيطاليا. وذكر داهل بأن قيام السلطات الإيطالية في العام الماضي بفرض قيود على وارداتها من القمح، أدى إلى انهيار الصادرات الكندية من الحبوب إلى إيطاليا، مبدياً تخوفه من "البيئة الحمائية" التي يشهدها العالم حالياً.
التعليقات