من خارج الضالع جاء إليها وافداً، كان يحسب نفسه بأن ضيف خفيف الظل، سيقضي فيها أياماً قليلة أو بضع ساعات ليحتفل بالعيد ويلبي دعوة المشاركة في عرض مسرحي على قاعة سينما الضالع، لم يدر بخلده أنه سيقتل وسيتم حتى خطف جثته.
الممثل الشاب جلال السعيدي، من مدينة صنعاء، والذي اشتهر بتقليد الفنانين، وبرع في تأدية دور «زنبقة»، اغتيل برصاص مسلحين متشددين، وصفوا المهرجان الذي كان بطله بأنه يـ«حرض على اللهو وترك الصلاة ويشجع على ارتكاب المعاصي». هكذا أصدروا الحكم ونفذوه مباشرة بمقدمات كان سلوكها العدواني يغلو على نار هادئه أشعلتها صفحات مواقع التواصل الاجتماعي «الفيسبوك»، فدفع الثمن حياته.
تعددت الروايات حول ظروف مقتل السعيدي، إحداها تحدثت عن قيام مسلحين باقتحام السينما والصعود لخشبة المسرح والاعتداء على رعاة الحفل ومطاردة السعيدي وتصفيته، بدم بارد، في حين ذكرت رواية أخرى بأنه تم تهريبه من قبل عدد من المواطنين بعد الهجوم على السينما، ودخل منزل أحدهم قبل أن يلاحقه المسلحون ويقتلوه في غرفة الديوان، وتظهر صور السعيدي، التي يتحفظ «العربي» عن نشرها، وهو جثة هامدة بعد تلقية رصاصة حولت جبهته الأمامية إلى أشلاء، ويبدو بأن الرواية الأخيرة هي الأكثر دقة من غيرها. لكن هناك من يقول بإن من «استضافوه هم الذين غدروا به وسهلوا قتله».
حرب مفتوحة خاضها نشطاء «الحراك الجنوبي» وحزب التجمع اليمني للإصلاح، بعد الجريمة، كل فريق كان يحمل المسؤولية الاخر ويتهمه بأن هو من «شحن» الأجواء العيدية، وحرك مسلحيه لفض المهرجان الذي رعته السلطة المحلية بدعم من «الهلال الأحمر الإماراتي»، نشطاء في «الحراك» أعادوا تداول منشورات لمن قالوا بأنهم محسوبين على «الإصلاح» يطالبون بـ«إلغاء الحفل، ووضع حد لمحاولة إشاعة الرذيلة بتنظيم هكذا حفل نسوي». في حين رد الفريق الآخر بأن «الجريمة لم تتهيأ الظروف الكاملة لارتكابها لولا التمييز العنصري بحق أبناء المحافظات الشمالية التي غذاها الحراك منذ انطلاقته».
جريمة مقتل السعيدي، أخذت أبعاد خطيرة بعد أن تم خطف جثته، وبقاء السلطة المحلية في الضالع التابعة للرئيس عبدربه منصور هادي، و«الحزام الأمني» المدعوم من الإمارات مكتوفي الأيدي، غير مباليين بالنداءات التي أطلقتها أسرة السعيدي التي لم تعد تحلم بشيء سوى استعادة جثة ولدها لتدفنه في التربة في مسقط رأسه بين محبيه كإنسان وفنان، ضحى بروحه في سبيل المهنة التي يعشقها منذ صغره.
(العربي)