بين شعارات "إرحل" و"لن يرحل"، إنقسم المجتمع اليمني في صنعاء، مطلع العام 2011م، أحزاباً سياسية ومنظمات مدنية ونقابات مهنية، وصولاً إلى انقسام الأسرة الواحدة. وبين ساحتي "الشرعية الثورية" شمال العاصمة، و"الشرعية الدستورية" جنوبها، تقاسم الشارع اليمني العاصمة صنعاء، حتى بدا شارع الزبيري وسطها بمثابة الحدّ الفاصل بين حدود الفريقين، في واحدة من صور الصراع السياسي الإستعراضي الجماهيري.
47 جمعة في الستين
عند جولة الجامعة الجديدة (جنوب غرب العاصمة) نصب أنصار "الشرعية الثورية"، شباب أحزاب "اللقاء المشترك" وحلفائهم ( 6 أحزاب سياسية معارضة حينها) خيامهم، مطالبين برحيل النظام. وهناك أدّوا أولى صلوات جمعهم السياسية البالغة 47 جمعة، أقيمت في ساحة "التغيير" بجولة الجامعة وشارع الستين المجاور لها، إستهلّت في 11 فبراير بجمعة "الغضب" بالتزامن مع تنحي الرئيس حسني مبارك عن السلطة في مصر حينها، وانتهت بجمعة "معاً لتحقيق أهداف الثورة" في الـ30 من ديسمبر 2011م.
51 جمعة في السبعين
وبالمقابل، كان شباب حزب "المؤتمر الشعبي العام" وحلفائه (16 حزباً سياسياً)، أنصار "الشرعية الدستورية" حينها، قد سبقوا شباب "المشترك" لبسط خيامهم على أرصفة ميدان التحرير وسط العاصمة صنعاء، رافضين رحيل النظام، مقيمين أول صلاة جمعة بميدان التحرير يوم 25 فبراير 2011، علماً أنهم أقاموا أول صلاة جمعة سياسية يوم 18 فبراير 2011 في مدينة تعز، تحت مسمى جمعة "السلام"، لينظموا بعد ذلك 51 جمعة سياسية في ميداني التحرير والسبعين بالعاصمة صنعاء فقط، يمكن القول إنها دُشنت بجمعة "الوفاء" في 4 مارس 2011م، واختُتمت بجمعة "المصالحة والمصارحة" في الـ27 من يناير من العام 2012م.
والملاحظ من خلال القراءة الأولية لمسميات جُمع الفريقين، أنها وإن جاءت متأثرة بظروف المرحلة وتطورات الأحداث والمتغيرات المتسارعة والمناسبات، إلا أنها لم تخل أيضاً من رسائل سياسية متبادلة داخلية وخارجية، ومبادرات أحادية لحلول مفترضة للأزمة. كما أنها لم تخل من التهديدات حيناً والترغيب حيناً آخر، لتشكّل في صورتها النهائية ساحة استعراض إعلامي للحضور الجماهيري والقوة الشعبية، وطاولة حوار وسجال أسبوعي بين طرفي الصراع، بلسان خطيبي الجمعة في الساحتين وبلاغاتهما الصحفية.
"الشرعية الدستورية" مقابل "الشرعية الثورية"
وبالوقوف على نماذج من أسماء جمع الساحتين المتبارزتين، يمكن الوقوف على جُمع شهر أبريل من العام 2011 (جدول رقم 1)، لأصحاب "السّتين" وهم "أنصار الله"، أحزاب "الإصلاح"، "الإشتراكي"، "الناصري"، وبقية أحزاب "المشترك"، الذين شكلوا حوالى 500 ائتلاف ومكوّن ثوري. بدأت تلك الجمع في 1 أبريل بجمعة "الخلاص"، تلتها جمعة "الثبات" في 8 أبريل، ثمّ جمعة "الإصرار" في 15 أبريل، وجمعة "الفرصة الأخيرة" في 22 أبريل، وانتهاءً بجمعة "الوفاء للشهداء" في 29 أبريل. قابلتها توالياً جُمع أصحاب "السبعين"، بدءاً بجمعة "الإخاء"، ثم جمعة "الوفاق" وجمعة "الحوار"، ثم جمعة "التصالح"، وانتهاءاً بجمعة "الشرعية الدستورية". وكان طبيعياً أن تأتي تسميات جُمع أبريل متّسقة مع مطالب الفريقين ومواقفهما؛ ففيما أبدى الفريق الأول إصراراً وثباتاً على مطالب رحيل النظام والخلاص منه ومنحه فرصة أخيرة، أظهر الفريق الثاني ما اعتُبر من قبل البعض "مرونة" في الاستجابة لمطالب التغيير، ولكن عبر الحوار والوفاق السياسي، مذكراً بقيم "الإخاء والتصالح"، ومتسلحاً بما يسميه "الشرعية الدستورية".
من جمعة "رفض الوصاية" إلى "شكراً سلمان"
واللافت في تسميات جُمع أبريل 2011م، أن من كانوا يتمسكون بـ"الشرعية الدستورية" حينها باتوا، اليوم، وقد انضم إلى ساحتهم فريق من ساحة الستين (أنصارالله)، متهمين بـ"الانقلاب على الشرعية". غير أن المثير أكثر في هذه المفارقة، يتجلى في قراءة جمعتي "رفض الوصاية" و"رفض العقاب الجماعي" في 8 و22 يوليو 2011م، لأصحاب "الستين"، وأصحاب شعار "شكراً سلمان" اليوم، والذين باتوا (من غير "أنصار الله") متهمين بتأييد ومباركة عمليات "التحالف" الذي تقوده السعودية في اليمن منذ مارس 2015م، بما فيه من حصار وعقاب جماعي للشعب اليمني.
توظيف الدين سياسياً
وعلى ما يبدو، فإن تشبّث النظام بالسلطة، ومواجهته للتحدي بتحد، أرهق جماعة "إرحل"، وقد دخل اعتصامهم شهره الثامن. ووسط تعليقات "جمعة ورا جمعة وعيد ورا عيد... كملت روحي يا حبيب مواعيد"، كان لا بد من حث شباب هذه الساحة على الصبر والمرابطة، فجاءت تسمية جمعهم (جدول رقم 2)على شاكلة "إصبروا وصابروا ورابطوا"، و"منصورون بإذن الله"، و"بشائر النصر"، ثم جمعة "نصر من الله وفتح قريب" (جدول رقم 3)، وجمعة " الوعد الصادق"، تليها جمعة "واثقون بنصر الله"، ثم جمعة "إن ينصركم الله فلا غالب لكم"، و"ما النصر إلا من عند الله". وجميعها إمّا آيات قرآنية أو عبارات ذات مدلولات دينية، قابلها توظيف مماثل للدين في الساحة المقابلة، والتي جاء في أسماء جُمعها "الإعتصام بحبل الله" وجمعة "الحمد والشكر لله" (جدول رقم 2)، وجمع "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، إقرأ باسم ربك الذي خلق، العلماء ورثة الأنبياء، إن للمتقين مفازاً" (جدول رقم 3)، بالإضافة إلى جمع "إن مع العسر يسراً، وإن عدتم عدنا، وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً، ويمكرون ويمكر الله" (جدول رقم 4).
من "الإمتنان لخادم الحرمين" إلى "العدوان السعودي"
ومقابل جمعة "الوفاء للشهداء" في الستين، أقيمت في السبعين جمعة "الشهيد"، إثر وفاة رئيس مجلس الشورى السابق، عبد العزيز عبد الغني، متأثراً بجروح أصيب بها في تفجير مسجد الرئاسة في 3 يونيو 2011م. ومقابل جمعة "تأييد المجلس السياسي" في الستين، عند تشكيله حينها، جاءت في السبعين جمعتا "الحكمة اليمانية" و"الوفاق الوطني" تأييداً للمبادرة الخليجية وحكومة الوفاق الوطني، واتفق الفريقان على تسمية جمعتي "الوفاء لثورة 14 أكتوبر، ثورة 14 أكتوبر المجيدة". ومن وجهة نظر فريق "شكراً سلمان" اليوم، يؤخذ على أنصار "الشرعية الدستورية" بالأمس، تنظيم جمعتي "الشكر والامتنان لخادم الحرمين الشريفين، سلطان الخير والجوار"، بعد عودة الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، وعدد من كبار قادة الدولة من رحلة علاج استغرقت شهوراً في المملكة السعودية، وكذا بعد وفاة سلطان بن عبد العزيز حينها، فيما هم اليوم يرفضون التدخل العسكري السعودي في اليمن تحت أي مسمى، ويتصدّرون مع "أنصار الله" جبهات مواجهته بما يملكون من أسلحة، وقدرات سياسية، وحضور جماهيري وشعبي، استفز "التحالف" بعد عام من عملياته الحربية بحشد مليوني في صنعاء (ميدان السبعين)، قابله الطيران بقنابل صوتية وقصف صاروخي على محيط المنطقة.
التعليقات