إبان مؤتمر الحوار الوطني في 2013، وعقب طرح مشروع الأقاليم الستة للتصويت بالموافقة دون نقاش أو تعديل (وهو ما لم يحدث وووجه برفض الأنصار والحراك الجنوبي والناصريين والاشتراكي ومكونات اجتماعية أخرى)، توجّهت برفقة الشهيد المعلم عبد الكريم الخيواني، وتحت إلحاحه، إلى الدكتور ياسين سعيد نعمان أمين عام "الاشتراكي" حينها، لاستطلاع موقفه من هذا الاعتساف السافر لمسار الحوار.
كنت قد تعافيت وقتها كلياً من غيبوبة تقديس استغرقت عقدين من عمري، حيال هذا الوثن اليساري العتيق ذي الشعر الأبيض المهيب والوقور، وكان لدى الشهيد الخيواني أسبابه العاطفية الخاصة للاستمرار في حسن الظن بهذا "الوثن"، بما جعله يؤمل استمالة نعمان لتأييد مقترح بديل ومنطقي صاغه الشهيد حول جدوى الأقلمة من عدمها والأسس العلمية السليمة اللازمة لمقاربة الحاجة إليها ومن ثم البت في عدد الأقاليم وحدود كل إقليم منها، بمنأى عن المعايير الطائفية والمناطقية.
بدا ياسين نعمان، بعد إصغاء ملول ومتعجل للمقترح، كمن يمتلك ناصية اليقين بخصوص الأقلمة، وعلى غرار رجل وضع رأسه في كفة وخياره السياسي (المبدئي) في الأخرى، قال حازماً جازماً: "لا قبول بالنسبة لحزبنا بغير دولة اتحادية من إقليمين جنوبي وشمالي، ولن نسمح مطلقاً بتمزيق الجنوب".
كان ذلك هو قوله الفصل الذي برهنت مواقفه اللاحقة بأنه لم يكن قولاً فصلاً ولا مبدئياً، ومثل عديد أوثان يسارية وقومية زائفة، انزلق نعمان حتى غرَّة رأسه الشائب في حضيض مستنقع العمالة، وتكشَّف ظلُّه العالي عن محض بيدق ضئيل على رقعة مشروع الاحتلال والتمزيق والهيمنة، لا قيمة عنده لشمال ولا لجنوب ولا لوسط في حساب ما يمليه مديره التنفيذي عليه من أدوار نظير مقعد سفير بخس في عاصمة الضباب.
ينهش ائتلاف سواطير الاحتلال اليوم لحم جنوب اليمن بقسوة وفجور ودون مواربة، فماذا تبقى في رصيد الأديب الاشتراكي البيدق من غزليات ومراثٍ فارغة يبلسم بها جسد الجنوب المثخن ليواري عهر مسؤوليته المباشرة والفاضحة عن كل ما آل إليه البلد جنوباً وشمالاً ووسطاً من أوضاع كارثية؟! وهل بوسعه أن يضرب ببعض حروف الأبجدية على كاحل أربابه من الخليج إلى لندن وواشنطن معاتباً إياهم على إفراطهم في سلخ جلود مواطنيه وأبناء جلدته سابقاً؟!
انبشوا في حائطه على "فيسبوك" و"تويتر" لتتأكدوا أنه ينشر ما تبقى من عظام متعافية في جسد البلد ويغرد بالضد لسرب آمال وآلام شعبه مجازاً، وأن هذا المآل الكارثي هو ما سعى ليدفع بالبلد والشعب إلى دركه، لا ما أراد لهما أن يتلافياه، حد اعتقاد غالبيتنا، إبان غيبوبة التقديس الطويلة وزمن حسن الظن!
على أن ياسين سعود نعمان وحزبه ليس استثناءً فارقاً في طابور العمالة المديد والحافل ببيادق يسارية وقومية أحزاباً وتنظيمات ونخباً وأفراداً، ناهضوا بشدة مشروع الأقلمة بوصفه تهديداً استعمارياً لهوية اليمن ونسيجه الاجتماعي، خلال فعاليات حوار 2013، ثم انخرطوا بشدة تحت عباءة تحالف قوى الاستعمار كأبواق ومرتزقة وسماسرة لحم أبيض لحظة تدشينه العدوان على اليمن في 26 مارس 2015.
لقد تعلمنا في أتون ملحمة مواجهة العدوان الكوني، كيف نصوِّب أهدابنا في الأفق البعيد الرحب قدماً، ولا نلتفت إلى الوراء لنحصي أعداد المتساقطين في مجارير العمالة أو ننبش في هوياتهم السياسية والأيديولوجية، فالذين يخلعون الوطن في فراش الغازي والمحتل هم عراة من كل هوية وانتماء شريف.
كما تعلمنا أن الذي يمقت صعدة لا يمكنه أن يحب تعز، وأن الذي يخون صنعاء لا يمكنه أن يكون وفياً لعدن، و أن شعر ياسين الأبيض لا يصمد كدليل على رسوخه في النضال الوطني، إلا بمقدار ما تصمد لحية الزنداني كدليل على رسوخه في التقوى.
كلا النقيضين كالأنقاض وسُرَّة الأرض تلد اليوم أبناءها الأطهار من مخاض المواجهة وتجترح أفق كينونتها الكريمة الحرة بفوهات بنادق رجالها الرجال، مرتجلة براكين وأعاصير الخلاص الوطني.
التعليقات