عندما دشن الإخوة في جنوب اليمن حراكهم المطلبي (ولاحقاً السياسي) بمؤتمر لـ"التصالح والتسامح" مطلع العام 2007، كان ذلك بمثابة إقرار ضمني بأن المعضلة الجنوبية ليست صنيعة شمالية محضة، ولا نتاجاً محدثاً أفرزته حرب صيف 1994م. فالتصالح والتسامح لم يستهدف رأب الصدع حينها بين فرقاء هذه الحرب من جنوبيين، وإنما فرقاء سلسلة طويلة من تواريخ النزاع الدامي في إطار الدولة الجنوبية الشطرية ذاتها، تمتد لحقبة الإستعمار البريطاني مروراً بثورة أكتوبر فالاستقلال، وصولاً إلى ذروة النزاع البيني الأكثر دموية في يناير 1986م.
فلنفترض ـ من قبيل حسن الظن ـ أن الفعاليات الإجتماعية والسياسية التي نشطت تحت يافطة "الحراك" منذ انطلاقه على تباينها، كانت على مستوى واحد من نزاهة ونقاء الحوافز إزاء "القضية الجنوبية: كموضوع للنضال حتى تحقيق العدالة المنشودة، وبما يكفل رفع المعاناة عن عاتق مجتمعات جنوب اليمن، عندها ـ ومع فرضية توافر النزاهة والنقاء لدى مختلف الطيف الحراكي ـ فإن الوقائع تبرهن على أن مكوناته تشاطرت منذ البدء مستوى واحداً من النفاق والممالأة وخفة التعليل واللاموضوعية إزاء مقاربة الجذور والعوامل الحقيقية المنتجة للمعضلة الجنوبية، حتى يتسنى لها ادعاء فرادة هذه المعضلة قياساً بسواها من معضلات في اليمن، وبما يتيح لها تلوينها جهوياً بالقطيعة مع فضاء النضال الوطني الواسع، ومن ثم فرض خيار وحيد مسبق على مستوى حلها هو "الانفصال ـ فك الإرتباط"، وإن كان مثل هذا الخيار لا يرفع المعاناة عن شعبنا في جنوب اليمن ولا يحقق العدالة المنشودة.
وفي حين اجتهد الطيف الحراكي في تغييب وإنكار التناقضات القائمة بين المكونات الإجتماعية بعضها البعض في النطاق الجنوبي حصراً، راح يستميت في تعميق واختلاق تناقضات هامشية أو لا أساس لها بين مجتمع الجنوب من جهة ومجتمع الشمال من جهة مقابلة، بما يجعل من هذا الأخير عدواً حصرياً للجنوبيين، وسبباً رئيساً في معاناتهم القديمة والمحدثة، وبما يكرس استحالة الإستمرار في الوحدة معه كخيار لا بديل عنه ولا مناص منه. تأسيساً على هذا التشخيص غير العلمي للمعضلة الجنوبية، وهذا الفرز العنصري السقيم، بات المجتمع الجنوبي يشرع أحضانه للسفاحين والإقطاعيين وأدوات الإستعمار من سلاطين وقاعدة وتجار دم، ما داموا جنوبيي المولد والجذور، وفي المقابل يوصد أبواب قلبه وروحه وذهنه في وجه نظراء المعاناة والاقصاء والقهر ما داموا شماليين، دون استثناء حتى للمقيمين منهم في عدن، منذ مطلع القرن العشرين.
وثمة مفارقة هزلية برزت من رحم هذا الفرز والتلوين، لتنسف المحددات التي نجم عنها والمنطق الذي يتكئ عليه. فكما كان الجنوبي الرافض للانفصال مشكوكاً في هويته ومنبوذاً لدى أصحاب هذا الفرز في الفترة ما بعد انطلاق "الحراك"، فإن الجنوبي المناهض لتحالف الإحتلال الأمريكي السعودي الإماراتي اليوم، هو جنوبي مشكوك في هويته ومنبوذ أيضاً. على أن دم أبناء الجنوب يسفك بخساً في سبيل أن يعود علي محسن الأحمر وهادي وجلاوزة "الفيد والإقطاع"، منذ 1962 ـ 1994 ـ 2014، ليقرفصوا على هياكل أبناء جنوب اليمن وشماله محروسين بترسانة الإحتلال العسكري وحراساً لمصالحه، في ظل خارطة جيوسياسية وديمغرافية يمنية ممزقة إلى بضع قصاصات واهنة وهزيلة ومتناحرة.
من يقاتل ضد من ومع من ولصالح ماذا في جنوب اليمن اليوم؟! ما دام الأجنبي الغازي وأوغاده مُرحَّباً بهم وإخوة التراب والمصير مذمومين مدحورين!
التعليقات