مثل سحابة ماطرة، هطلت دموع عمار العزكي في أرض قاحلة متعطّشة للفرح، بعد سنوات عجاف. أمام ملايين المشاهدين للبرنامج التلفزيوني المسابقاتي الشهير "آراب أيدل"، ومن على شاشة إحدى قنوات "التحالف السعودي"، صرخ عمار ضد الحروب والدماء، معبراً بطريقته الخاصة عن إدانته للعدوان متعدّد الجنسيات، والحصار الجائر المفروض على بلاده، محقّقاً بذلك في ثوانٍ معدودة ما عجز الساسة عن إيصاله في 700 يوم ماضية. دموع عمار ليست سوى تعبير طبيعي بالغ الدلالة عن حالة العجز لدى صنّاع القرار في بلادنا، لمعالجة الأزمة السياسية (قبل التدخل العسكري الخارجي)، وبالتالي إمكانية تجنيب اليمن مخاطر وتبعات الوقوع في مستنقع الحروب.
دموع عمار تعبير إنساني عن حالة أسى بلد كان يدعى "اليمن السعيد"، ويوصف أهله بأنهم أهل "حكمة وإيمان"، بات في لحظة أنانية سياسية ساحة صراع دولي وإقليمي، وبات ساسته ينتظرون حلول مشاكلهم من الخارج. هي تعبير صادق عن حالة العجز لدى موظّف مفارق لراتبه الشهري، منذ 5 شهور ماضية، ولم يعد في مخزون هاتفه قيمة رسالة تصويت لعمار العزكي بكلفة 150 ريالاً لا أكثر. دموع عمار تحكي باختصار قصة تفرّق أيادي أبناء سبأ، للمرة الثانية. دموع تعكس حالة انقسام مجتمعي حاد، وتعصب متعدد الأوجه، جدل فائض عن الحاجة، ارتفاع منسوب التعصب الجغرافي والسياسي، ولو على حساب الذائقة الفنية والأحاسيس والمشاعر الوطنية.
كشفت دموع عمار عن حالة تصدع وطني، عجز أحفاد سبأ وبلقيس وحمير وتُبع وقتبان وذو ريدان عن الإلتحام ولو لبرهة زمنية حول متسابق يمني واحد، مقابل اتفاق أبناء فلسطين على متسابق فلسطيني واحد، من أصل متسابقَين اثنَين من بلادهم. وبالمقابل، فإنه يمكن قراءة دموع عمار وحضوره وتألقه الفني طوال فترة المسابقة، كما لو أنه يحكي قصة شعب عظيم، يعاني ويلات الحروب والتدخل العسكري الخارجي في بلاده، والحصار الجوي والبري والبحري، منذ عامين ماضيين، ولا يزال يغني للأمن والاستقرار والسلام والحب، متشبثاً بحقه في الحياة والحرية والاستقلال؛ قصة شعب عظيم يعاني انقطاع التيار الكهربائي، ويتابع أدق تفاصيل المسابقات الرياضية والفنية العربية والعالمية، يعاني حصاراً اقتصادياً وتراجعاً كبيراً في مستوى دخل الفرد، ومع ذلك يأبى إلا المشاركة الفاعلة في المسابقات الدولية.
دموع عمّار، ثوانٍ معدودات، كسرت الحصار الإعلامي والسياسي الجماهيري المفروض على اليمن منذ 26 مارس عام 2015م. دموع فتحت بقوة حاجز الصوت فوق أجواء عواصم عربية، وأطربت لأسابيع ماضية أسماع شعوب عربية، معلنة على الملأ: هذا اليمن الذي تشارك حكوماتكم في تدميره لن يموت، ما يزال ينبض بالحياة، ينبض إبداعاً وكفاحاً، صموداً ومقاومة، هذا الإنسان اليمني باقي على أرضه، ولسان حاله يصدح طرباً "هذا اليمن يا مال أبوه"! هذا الإنسان اليمني الذي تعرفونه ما يزال كما عهدتموه، مكافحاً أميناً صادقاً شجاعاً غيوراً رسولاً للسلام، داعية للأمن والاستقرار، عربياً أصيلاً، يكرم ضيفه ويؤمن جاره، وما كان ولن يكون يوماً ما "خطراً على جيرانه" كما تروج له وسائل إعلام حكوماتكم.
بإستثناء دولة عمان، تقود دول الخليج تحالفاً حربياً في اليمن، وتقصف طائراتها على مدى 700 يوم ماضية مئات المعالم الثقافية والفنية والمواقع الأثرية، تقصف المدارس والمعاهد الفنية، الجامعات والملاعب الرياضية، تقصف النوادي الثقافية والصالات الفنية. تنفق دول "التحالف الخليجي" المليارات لقتل وخنق ماكينة الإبداع في اليمن، وتفاجأ بعد ذلك بشاب يمني يصدح بأعذب الألحان، في نهائي مسابقة "آرب أيدل"، سفيراً ليس لثقافة وفنون بلاده فقط، وإنما للأغنية الخليجية أيضاً!
التعليقات