ليس من دواعي سرور عُمان ـ بالقطع ـ أن تفيق ذات مستقبل وشيك منظور، وقد بسطت السعودية أو الإمارات، أو الدولتان معاً، نفوذيهما على ظهيرها الجيوسياسي؛ الجنوب الغربي من أراضي محافظتي المهرة وحضرموت اليمنيتين، لكن هذا هو ما تصبو الرياض وأبوظبي، برعاية أمريكية بريطانية، لتحقيقه من وراء عدوانهما على اليمن بالوكالة.
نشأت المملكة والإمارات بالأصل كحصيلة لاقتطاع مساحات ديمغرافية شاسعة من بلدان الجوار ذات الجذور الضاربة في أرومة تاريخ الشرق كالعراق واليمن وعُمان، ومثلت هذه النشأة الإستعمارية الطافرة تهديداً أيديولوجياً جدياً للمناخ الفكري والنسيج الإجتماعي المتنوعين والمنسجمين لمجتمعات الجوار الحضاري. فبمعية المشروع البريطاني ووريثه الأمريكي، شرعت سواطير ومعاول الوهابية من لحظات طفورها الأولى تهدم كل ما تطاله من إرث عمراني عريق، وتجندل رؤوس "الكفرة أهل البدع القبوريين والمتصوفة والرافضة"، وكل الواقعين خارج مجال معتقداتها بوصفه مجال الإسلام الصراح الصحيح، وما عداه هجين باطل وفاسد العقيدة.
في حال وقعت الجمهورية اليمنية فريسة لأحد مَسَاري الأقلمة ذي الستة كانتونات أو ذي الكانتونين الشمالي والجنوبي، فإن المؤكد أن اليد الطولى في جنوب اليمن تحديداً، وبعض بؤر الشمال الكائنة ضمن سيطرة تحالف العدوان، ستكون لـ"داعش" ومشتقاتها، باعتبارها أذرعة رهان الأخطبوط الأمريكي البريطاني الرئيسة، التي تفسح لأطماعه الإستعمارية ونشاطه العسكري مسرحاً كونياً ممهداً تحت مظلة "مكافحة الإرهاب والحرب على داعش".
هكذا، فإن الحمى العُماني الوادع طيلة العقود السالفة سيغدو هدفاً مباشراً لغزوات "الإسلام الصحيح"، سواء كان النفوذ في الظهير العماني الجنوب غربي للسعودية أو للإمارات، فالنتيجة ستبقى هي هي ذاتها: عمان تحت طائلة الخطر المباشر.
على ضوء الفهم الآنف، تخلق ويتخلق موقف مسقط من العدوان على اليمن، بوصفه موقفاً وقائياً يستشرف الخطر المحدق ببلده، أكثر من كونه موقفاً متعاطفاً. على أن السؤال اليوم هو: ما المكسب الذي أحرزته عُمان من مقاربتها الوقائية للعدوان على اليمن؟ وإذا لم تكن قد حققت مكسباً بمستوى تلافي تداعيات خطيرة ووشيكة عليها، فهل سنشاهد مسقط في القادم القريب طرفاً في الاشتباك الدائر في اليمن؟ وعلى أي ضفة سيكون اصطفافها؟
لقد نضجت المخاوف الصينية إلى الحد الذي صرحت معه بكين علناً بأن النشاط الأمريكي الإماراتي والمصري المعاضد، في مياه البحر الأحمر وجزيرة ميون اليمنية تحديداً، هو تهديد مباشر لمصالحنا الإقتصادية، طبقاً لتعبير خارجيتها الأسبوع الفائت.
في حين يبدو أن مسقط، وعلى الرغم من نضوج مخاوفها، لا تزال غير ناضجة للتعبير علناً عن مخاوف مباشرة تخصها بمنأى عن الآخرين في مجلس التعاون العربي، وعليه فإنها تفضل سياسة تعويم المخاوف في الكواليس، مستهدفة بلورة ما يشبه تحالف ظل مضاد، قوامه إيران، الكويت، وعمان، ينحو لتوسيع طاولة الإسهام الدولي في مقاربة أفق الصراع في اليمن، وعلى اليمن؛ بحيث تشمل روسيا، والصين.
تفسر هذه القراءة التحليلية المغزى السعودي خلف اتهام الرياض لمسقط بتهريب أسلحة لـ"الانقلابيين" في نوفمبر الفائت، وقبيل احتضان العاصمة العمانية "اتفاقية المبادئ" أو خطة كيري بشأن التسوية السياسية في اليمن، وبالمثل تظهير السعودية للكويت كلاعب رئيس في تحالف العدوان الأسبوع قبل الفائت، وعلى عتبة مقترح لاستضافة الكويت جولة جديدة من مشاورات التسوية.
تقتضي التداعيات المتسارعة على مستوى أكثر من ساحة ولا سيما اليمن، نشوء نسق سياسي خليجي مغاير لإطار مجلس التعاون المحترب. يتعلق الأمر بنضج عماني كويتي بدرجة القدرة على استشراف خيارات حياة أبعد من سلطة المصالح الأمريكية البريطانية، وفي صلب مصالح شعوب وبلدان المنطقة المناهضة للهيمنة وسياسات التمزيق بسواطير "داعش".
التعليقات