حين يؤكد الحراكي الجنوبي، فادي باعوم، أن حضرموت أصبحت رهينة إماراتية، وأن مطارها (الريان) تحت الوصاية الكاملة لقوات الإمارات التي تستقبل عبره حمولات مريبة في ظل غياب كامل لأي كادر من أبناء المحافظة، فإن من السذاجة الإستمرار في الاعتقاد بأن مشروع الأقلمة الموضوع على محمل التنفيذ بقوة العتاد العسكري الكوني، يُراد منه تمكين مجتمعات الوسط والجنوب من زمام تنمية وإدارة مناطقها بمعزل عن بيروقراطية المركز، أو الاعتقاد ـ كذلك ـ بأن هذا اللفيف من الغزاة ينفق المليارات في سبيل أن يعيد إلى الجنوبيين "دولتهم المفقودة"، ويمنحهم حق تقرير المصير.
حين يعلن محافظ عدن المعين من تحالف "إعادة الشرعية"، صراحة، أنه لا يعترف بـ"شرعية هادي"، ويعجز هذا الأخير المسمى "رئيساً شرعياً" عن أن يهبط بطائرته في مطار "العاصمة المؤقتة"، أو أن يستوي على كرسي الرئاسة في قصر المعاشيق ليزاول "شرعيته" منه، فإن شن عدوان عسكري على اليمن بذريعة "إعادة الشرعية إلى صنعاء وإنهاء الإنقلاب فيها"، تغدو ذريعة سامجة وكوميديا وقحة للغاية.
حين يدعم المجتمع الدولي قرار نقل البنك المركزي من "صنعاء الإنقلاب" إلى "عدن الشرعية"، ويبارك ويسهم في حصار الشعب اليمني براً وبحراً وجواً، وتدمير موانئه ومطاراته ومنشآته الصناعية الخاصة والعامة ومشافيه ومدارسه، ثم يحذر من "مجاعة وشيكة في اليمن"، ويسرد بالأرقام أعداد "البشر الذين يحتاجون لإغاثات إنسانية عاجلة" و"وفيات انعدام الأدوية والمعدات الطبية وسوء التغذية"، فإن الإنسانية الأممية ـ عندئذٍ ـ تغدو أكثر عهراً من العهر ذاته، وأبشع تنكيلاً بالضحايا من الحصار والتجويع ومجازر سواطير تحالف القصابة الكونية ذاتها.
من حق أرواح أطفالنا ونسائنا وفلاحينا وعمالنا ومكفوفينا التي تحصدها تقانة الموت الأمريكي ليل نهار، أن تحظى برواية منطقية متسقة وجريئة في المكاشفة بحوافز الجلاد الحقيقية لقتلها بهذه المثابرة والاسراف. وهل يجرؤ الجلاد الأمريكي على أن ينتعل غير وجوه عربان النفط ووجوه نعالات النفط المحلية الرخيصة، ذرائع لدهس الشعوب العربية إلكترونياً من وراء البحار؟ فلتكبر الحرب إذاً، ولتمتد وتتسع دائرتها حتى يتمزق آخر الوجوه الأحذية، فتسفر أمريكا عن وجهها بلا ذرائع، كأن نصدق أننا نموت تحت أطنان العنقوديات والـ"كروز"، ليستوي "وضيع الشرعية"، هادي، على صنعاء، و"يرفرف العلم الجمهوري في مران"، أو لـ"ينعم سنة الوسط بإقليم مستقل عن وصاية المركز الزيدي المقدس شمال الشمال"، أو لـ"يستعيد الجنوب دولته المستقلة السابقة لوحدة 1990م"، كما وأن نصدق بأن "مملكة بني سعود حامي حمى العروبة وحارس بيضة الإسلام السني".
فلتكبر الحرب إلى أن تتفسخ الملامح المموِّهة على العدوان بأديم المظلوميات المحلية، والملامح الوطنية الزائفة المموَّهة بأديم مناهضة العدوان. عدا ذلك، فإنه لا سبيل للخلاص الوطني الناجز الذي يثمن الموت بالحياة المرجوة من ورائه، ويدرك العدو من الصديق يقيناً، والمسار والوجهة بسطوع لا لبس فيه. عدا ذلك، ليس سوى سجال أقنعة تقف خلاله أمريكا على منصة من الأشلاء البشرية، وسيطاً وراعياً لمفاوضات تفقس في أحسن الأحوال مستقبلاً محلياً هجيناً، لا يعفي الضحايا المتعجلين نهايةً للحرب ـ كيفما اتفق ـ من مزيد موت بلا مغزى ولا ثمن.
التعليقات