إلى ما قبل أول غارة جوية لطيران "التحالف العربي" الذي تقوده السعودية في 26 مارس 2015م في اليمن، كان المشهد السياسي مختلفاً تماماً عما هو عليه اليوم. فلا يكاد المراقب للشأن اليمني يجد نقطة تقارب والتقاء واحدة بين من تمكن تسميتهم اليوم حلفاء جبهة صنعاء (ثنائي "أنصار الله" و"المؤتمر الشعبي العام")، مثلما لم يكن أكثر السياسيين استشرافاً للمستقبل في هذا الثنائي قادراً أو متخيلاً أنهما سيجدان نفسيهما على وئام في أفضل الحالات. حتى الساعات الأولى لدخول "أنصار الله" العاصمة صنعاء، واقتحامها معسكر الفرقة الأولى مدرع والتلفزيون ومؤسسات حكومية أواخر العام 2014م، وبينما كانت قيادة حزب "الإصلاح" و"اللقاء المشترك" و"أنصار الله" والرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي خطب ليلتها خطابه الشهير "صنعاء لم تسقط"، يحتفلون في القصر الجمهوري بتوقيع ما عرف بـ"اتفاق السلم والشراكة"، كان حزب "المؤتمر" يقف منفرداً، ومغرداً خارج السرب، معلناً في بيان رسمي "رفض ما تم في صنعاء ورفض اقتحام المدن"، متمسكاً بمطالب "ضرورة إخراج المسلحين وعدم الوصول إلى أهداف سياسية بالقوة".
"عاصفة الحزم" تجمعنا
ومع تصاعد دخان أول غارة لطيران "التحالف" على أراضٍ يمنية، لاحت في أفق المشهد السياسي بوادر تقارب "مؤتمري - أنصاري"، يقوم على قاعدة ترتيب أولويات المرحلة، وتجميد ملفات الخلافات الداخلية، الأمر الذي أكّده بوضوح الأمين العام المساعد لـ"المؤتمر"، ياسر العواضي، في حواره مع قناة "روسيا اليوم" أواخر يونيو 2015م، قائلاً: "رفضنا الإعلان الدستوري لأنصار الله، واعتبرناه غير شرعي، لكن عندما جاء العدوان الخارجي اضطررنا لأن نتناسى الكثير من الملفات الداخلية". وأضاف أنه "عندما جاءت عاصفة الحزم، الضربة السعودية المباغتة بصراحة أفقدت كل شيء، والمبعوث الأممي غادر اليمن، وتوقف الحوار السياسي، وأصبحنا الأولوية لدينا هي مواجهة العدوان". إذاً، هو إصطفاف مرحلي تكتيكي، واتجاه إجباري لتنسيق مواقف مشتركة ومواجهة مخاطر محدقة بهما، على قاعدة "من هو ضد العدوان نحن منسقون معه"، وفق ما ذكر أمين عام حزب "المؤتمر"، عارف الزوكا، في لقاء تلفزيوني مع قناة "الميادين" في يوليو 2015م.
خلافات على خطوط النار
ومنذ الوهلة الأولى لدخول "أنصار الله" العاصمة صنعاء بقوة السلاح، توقع مراقبون وقوع صدام مسلح بين "أنصار الله" و"المؤتمر"، غير أن موقف "المؤتمر"، والذي كان حينها خارج السلطة (عملياً)، اتجه نحو اعتبار استيلاء "الأنصار" على السلطة "شيئاً طبيعياً ومتوقعاً"، نتيجة لما يعتبرونها "خيانة الفار هادي، وغياب الدولة، وهزيمة الإخوان المسلمين"، مكتفين بتقديم النصح لـ"أنصار الله" بالاهتمام بالعمل السياسي، وتقديم أنفسهم كبديل أفضل "من الفار هادي والتجمع اليمني للإصلاح".
وفي ظل هذه الأجواء المكهربة، والفرص المتوفرة لتشتيت ما يمكن تسميتها جبهة صنعاء وهي في طور تكوينها الأولي، لم يدّخر "التحالف" جهداً في العزف بكثافة على وتر الخلافات بين "الأنصار" و"المؤتمر"، وعلى أكثر من صعيد ونسق إعلامي، خلال العامين الماضيين، كرهان قابل للاستثمار في أكثر من جبهة وميدان، غير أن قيادات طرفي صنعاء واجهته بصرامة مماثلة، تجلّت بوضوح في حديث رئيس "المجلس السياسي"، صالح الصماد، لقناة "الميادين"، منتصف يناير 2017، حينما نفى وجود خلافات بين حركة "أنصار الله" و"المؤتمر الشعبي العام"، قائلاً إن "الخلافات هي حول من يتقدم المعركة والتسابق إلى الجبهات"، مؤكداً أن "من ينتظر حصول خلاف داخلي يراهن على المستحيل، بعد امتزاج دماء الطرفين في جبهات القتال، وأن تفكك الجبهة الداخلية أبعد من عين الشمس على المراهنين".
ضبط إيقاع
التقارب "الأنصاري - المؤتمري"، والتنسيق عالي المستوى، والاستعداد المشترك لماراثون المفاوضات السياسية (جنيف، الكويت)، قوبل بهجمات إعلامية مكثّفة ومتواصلة لجبهة قوى "التحالف"، في ما يعدّ إسناداً لوجستياً لتغذية تباينات تتسم بالمرونة حيناً والتعنت حيناً آخر، وخلافات ظاهرة كمثل حرب الشعارات في المساجد والمدارس بين نشطاء قطبي صنعاء، الذين لاحظت قياداتهم خطورة ذلك، فبادرت إلى إحباط مفعول "قذائف" التسريبات الإعلامية، وضبط إيقاع خطابها الإعلامي، وتوحيد منابر رسائلها السياسية، حينما عقدت قيادات "أنصار الله" و"المؤتمر" اجتماعاً مشتركاً، منتصف أبريل 2016م، أكد أن "مواقف المؤتمر الشعبي العام وأنصار الله تعلن عبر قياداتهم وقنواتهم الرسمية وليس من خلال التسريبات"، وشدد الإجتماع على الإلتزام بهذا التوجه "وعدم الإنجرار والسير في ما يعيق ويعرقل ويخلخل اللحمة الداخلية لجماهير الشعب عموماً وأنصار الله والمؤتمر".
جنيف... أول 3 نقاط التقاء
وبانطلاق أوّل جولة حوار في جنيف، منتصف يونيو 2015، يكون فريقا "المؤتمر" و"الأنصار" قد كسرا جدار العزلة السياسية والإعلامية، التي فرضها "التحالف" على صنعاء، حينما غادرا بصعوبة في رحلة استغرقت 44 ساعة إلى جنيف، تجمعهما طائرة مشتركة، ولكلٍ رئيسه والمتحدث باسمه، فيما لم يكن من نقاط التقاء بينهما غير وقف غارات الطيران، ورفع الحصار، وإحياء العملية السياسية، متفقين على أن هذه النقاط الثلاث ذات أولوية.
... ورؤية مشتركة للحلول في الكويت
ومثلما مثلت مشاورات الكويت بجولتيها فرصة لتحقيق أكبر قدر ممكن من توحيد المواقف والرؤى، بين طرفي جبهة صنعاء، فقد فتحت قضايا المشاورات بتشعباتها شهية "التحالف" لإطالة وقت المشاورات، بذريعة وبغية إيقاد شعلة خلافات متوقعة بين وفدي صنعاء، وفق توقعات تستبعد اتفاقهما على رؤية مشتركة مكتوبة للحلول المرتقبة أو المأمولة من المشاورات. وعلى عكس تلك التوقعات، فاجأ وفد صنعاء منظمي مشاورات الكويت بتسليمه، في 30 أبريل 2016م، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، رؤية مكتوبة للحل السياسي والأمني، تضمنت عدداً من المبادئ؛ أبرزها تثبيت وقف الأعمال القتالية بشكل تام، وإزالة القيود على حرية التنقل للمواطنين داخلياً وخارجياً ومن وإلى اليمن.
... وتنسيق كامل في مسقط
وتكررت محاولات شرخ جدار جبهة صنعاء السياسي، أثناء مباحثات منفردة بين وفد "أنصار الله" وبين وزير الخارجية الأمريكي السابق، جون كيري، منتصف نوفمبر 2016، في العاصمة العمانية مسقط، وكان لافتاً حينها حرص "المؤتمر" على وأد هذه المحاولة، بإعلانه من صنعاء بياناً متزامناً، داعماً بقوة وفد "أنصار الله"، مؤكداً التنسيق الكامل بينهما.
أول هيئة تنفيذية مشتركة
في 28 يوليو 2016، كلل "أنصار الله" و"المؤتمر" جهودهما التنسيقية، بإعلان تشكيل أول هيئة تنفيذية مشتركة عليا، تحت اسم "المجلس السياسي الأعلى"، بهدف عودة العمل بالدستور ومجلس النواب، وهو ما اعتبر إلغاءً لإعلان "أنصار الله" الدستوري، ولجنتهم "الثورية العليا"، التي تسلّم رسمياً "المجلس السياسي" منها السلطة في القصر الجمهوري بصنعاء منتصف ديسمبر 2015م. وعزز هذا التقارب بتشكيل الطرفين مناصفة حكومة الإنقاذ برئاسة عبد العزيز بن حبتور، بعد نحو 45 يوماً (28 نوفمبر2016م)، وضمت 42 وزيراً من مختلف ألوان الطيف السياسي من الأحزاب والمكونات المناهضة لـ"التحالف"، وتمحورت مهامها حول ترتيب الأوضاع الداخلية، ومواجهة "العدوان" اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً.
خلافات ما بعد "الإنقاذ"
خلافات ما بعد تشكيل حكومة الإنقاذ في صنعاء طفت على سطح المشهد السياسي بقوة، وبلغت ذروتها في نزاعات إدارية (إقتحام) على مناصب في كل من وزارة الصحة العامة، الأوقاف والإرشاد، التعليم العالي والبحث العلمي. ولذلك، يعبّر القيادي في "المؤتمر الشعبي العام"، بشير العماد، عن أسفه لوقوع "أي خلافات أو انقسامات في أي جهة حكومية"، ويرى أن "وضع البلاد تحت الحصار والعدوان لا يحتمل أياً من ذلك". وعلى صفحته في موقع "فيسبوك"، اعتبر العماد، وهو رئيس دائرة الرقابة التنظيمية في "المؤتمر"، أن خلافات التعليم العالي "ستكون نتائجها وانعكاساتها مدمرة على مؤسسات التعليم العالي"، ولذا ناشد العماد وزير التعليم العالي، حسين حازب (مؤتمر)، ونائبه، عبد الله الشامي (أنصار الله)، "الخروج بحل للإشكالات القائمة في الوزارة، حل يراعي المصلحة الوطنية ومصلحة العملية التعليمية، وأن يفرضا الحل على الجميع" ، معرباً عن اعتقاده في هذا الصدد بأن "أي حلول خارج إطار الوزير والنائب ستكون أشبه بالمسكنات والمهدئات، التي ترحل المشاكل ولا تحلها".
حقول خصبة
يعد حقل الإعلام واحداً من أخصب مزارع الخلاف "المؤتمري - الأنصاري"، بداية من الإختلاف حول المصطلحات الإعلامية المتعلقة بالعمليات الحربية، كتوصيفي "المنافقين" و"المرتزقة" للمقاتلين اليمنيين في صفوف "التحالف"، مروراً بهتافات المقاتلين في الجبهات، وانتهاءً بتبادل اتهامات احتكار وسائل الإعلام الرسمي من قبل طرف دون آخر، وهي الخلافات التي تكررت مراراً تحت قبة البرلمان، حيث ينتقد نواب في البرلمان لكتلة "المؤتمر" عدم بث قناة "اليمن" الفضائية جلسات البرلمان، كما يؤخذ على القائمين على الإعلام الرسمي تجاهل أخبار فعاليات "مؤتمرية" تصب في مواجهة "العدوان"، بما في ذلك خطابات الرئيس السابق، رئيس حزب "المؤتمر"، علي عبد الله صالح.
وتعليقاً على ذلك، يؤكّد مسؤولون في وزارة الإعلام، في حديث إلى "العربي"، تلقيهم توجيهات صارمة ببث خطابات الرئيس السابق تلفزيونياً وإذاعياً. ويرى وزير الإعلام في حكومة الإنقاذ، المحسوب على "أنصار الله"، أحمد حامد، أنهم بعد 700 يوم سيكونون "أكثر توحداً وأكثر قوة وإيماناً وحضوراً في ساحة الإعلام، وأكثر استعداداً للمواجهة من أي وقت مضى". وقال، في لقاء محدود حضره "العربي" منتصف مارس الجاري، إنه "إذا حصلت أخطاء فلنتصالح، ويتحمل بعضنا البعض". ويشدد حامد على أنه "لا مانع من الإختلاف السياسي، نختلف في الآلية التي نواجه بها العدو".
ويعتقد نشطاء من "أنصار الله" أن انتقاد أداء جماعتهم يعدّ تشويهاً لها، وذلك في اتّهام ضمني لنشطاء في حزب "المؤتمر"، ينتقدون ما يعتبرونه عجزاً حكومياً في توفير وصرف مرتبات موظفي الدولة، ودأب نشطاء في "المؤتمر" على انتقاد بقاء مشرفين من "اللجنة الثورية العليا" في بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية، بعد تسليم السلطة لـ"المجلس السياسي"، كواحدة من صور الخلاف بين الطرفين.
إلتقاء على كل القضايا "الوطنية"
وفي حديثه إلى "العربي"، يرى عضو المجلس السياسي لـ"أنصار الله"، عبد الملك العجري، أن "معنى التحالف قد لا يكون توصيفاً دقيقاً للعلاقة بين أنصار الله والمؤتمر، فالتحالف يقوم على أساس برنامج سياسي مشترك"، موضحاً، في سياق توصيف العلاقة، أن "هناك تنسيقاً مشتركاً عالي المستوى". ويلفت العجري إلى أن "أنصار الله" و"المؤتمر" وجدا نفسيهما في "مواجهة عدوان همجي يستهدف اليمن شعباً وأرضاً وإنساناً"، وبالتالي فاللقاء بينهما قام "على أساس وطني لمواجهة العدوان كمسؤولية وطنية، وهي المهمة التي اقتضت من المكونين إضافة إلى بقية المكونات تنسيق جهودهما على أكثر من مستوى سياسي وعسكري وغيره". ويشير العجري إلى ما يعتقد أنها نقطة هامة في طبيعة العلاقة بين المكونين، "فهما لا ينطلقان في علاقتهما على أساس أنه تحالف سياسي ينتظر كل طرف مكاسب منه"، مضيفاً أنها "مسؤولية وطنية لمواجهة عدوان خارجي، وليس أحدهما ممنوناً للآخر، ولا هي مسؤولية طرف دون طرف"، وبالتالي يخطئ من يتحدث عن مكاسب لهذا الطرف أو ذلك من "التحالف".
... وخلافات على ترتيبات إدارية
وحول نقاط الإلتقاء والاختلاف بين المكونين السياسيين، يتحدث عضو "المجلس السياسي" عن "أنصار الله" عن أن "هناك التقاءً في كل القضايا والاستحقاقات الوطنية"، مبدياً تفهمه لما قال إنها خلافات "قد تحدث في ترتيبات بعض الأمور الإدارية أو الشخصية"، متابعاً أنه "لا يجب تضخيمها أو النفخ فيها، وترك الأمر للجهات المعنية لإدراة أي خلاف بطريقة وديّة". وحول مستقبل العلاقة بين "المؤتمر" و"أنصار الله"، يعرب العجري عن اعتقاده بحاجة الطرفين لتطوير هذه العلاقة "لترقى إلى تشكيل تحالف وطني واسع يضم كل المكونات والقوى المناهضة للعدوان"، ولذلك يشدد على أنه" حتى بعد انتهاء العدوان سنكون جميعنا أمام مواجهة استحقاقات ما بعد العدوان، وهي تحتاج لمستوى عال من التنسيق والتحالف الجدي".
خيار استراتيجي
وهكذا يبقى ملف الخلاف "المؤتمري - الأنصاري" إدارياً بحتاً، يُرحّل هنا، ويُحلّ ودّياً هناك، يتّسم حيناً بالمرونة، وحيناً آخر بالحدّية، لا يُرى طوراً، ويصل حد استخدام السلاح أطواراً أخرى. إختلافات وتباينات لا يمكن إنكارها، لكنها، في كل الأحوال، تبقى خالية من أي رواسب مذهبية، كوسيلة وأداة أريد بها صبغ الصراع السياسي والاحتراب في اليمن، مثلما لا يظهر أن "التحالف"، وبعد عامين ماضيين، فقد الأمل في استثمار وتغذية هذه الإختلافات كرهان استراتيجي دائم وبعيد المدى.
التعليقات