للشروع في مقامرة احتلال الحديدة ومينائها، يحتاج تحالف العدوان الأمريكي السعودي إلى غطاء سياسي دولي لا إلى عتاد عسكري، فهذا الأخير في متناول يده من حيث النوع والوفرة.
حظي تحالف العدوان منذ تدشين عملياته العسكرية في 26 مارس 2015، بمباركة دولية فاجرة وبلا سقف، لجهة الإسراف في سفك الدم اليمني وتصفير عداد التنمية في اليمن والعودة به مائة عام إلى الوراء، دون خشية من لائمة حسيب أو رقيب دولي.
لكن الوضع بالنسبة لسيناريو احتلال المحافظة البحرية ومينائها مختلف تماماً، فالمحاذير التي تجعل المجتمع الدولي يتردد في منح التحالف ضوءاً أخضر للشروع في مقامرة كهذه، لا تتعلق بمنسوب ما سيسفك من دماء اليمنيين خلالها ولا بالتبعات الإقتصادية الكارثية التي ستنجم عنها، وإنما بالتداعيات الفادحة المحتملة لهذه المقامرة على سوق النفط العالمية وطرق الملاحة البحرية الدولية في أدق مفاصلها.
حتى اللحظة لم تعلن الإدارة الأمريكية صراحة عن تأييدها احتلال الحديدة من خلال عملية عسكرية بحرية واسعة النطاق تشارك فيها قواتها، وأعربت خارجيتها ـ فقط ـ عن أنها تفكر في "آلية جديدة لدعم التحالف العربي"، وهو موقف مخاتل يستثمر في التباينات السعودية ـ الإماراتية الحادة من جهة، ويجس نبض الموقف الصيني المحتمل كردة فعل على ذهاب أمريكا منفردة صوب وجهة اشتباك من هذا القبيل ملغومة بمخاوف بكين من جهة موازية.
عندما تقرر واشنطن أن تقود عملية عسكرية تستهدف احتلال البر اليمني، انطلاقاً من المياه الدولية المحاذية له بما فيها مضيق باب المندب، فإن ذلك سيعني ـ في واقع الحال ـ أن الصين منخرطة في العملية تنسيقاً أو ضلوعاً مباشراً. فالولايات المتحدة لم يعد بمقدورها ـ اليوم ـ أن تقدم على مقامرة شرق أوسطية وازنة بإدارة الظهر لمخاوف ومحاذير التنين الأصفر، عوضاً عن أن المحاذير الإيرانية باتت تحتل حيزاً متقدماً في الحسبان الأمريكي هي الأخرى.
تدرك بكين أنه لا مستقبل لطموح اقتصادي عالمي غير مقرون بذراع عسكرية طولى. وفي أولمبياد 2008 الذي استضافته نشرت سحابة كثيفة من قوات التدخل السريع (المارينز الصيني) ظللت بها ستاد الإفتتاح ورأس الرئيس الأمريكي جورج بوش، وكان ذلك بمثابة برهنة على أن التنين لن يظل بلا أظافر إلى الأبد، وأنه آن الأوان لأن تكف أمريكا عن العبث الفاضح معه في البحرين الأحمر والعربي والمحيط الهندي بافتعال ظاهرة قرصنة صومالية تحركها أصابع واشنطن.
الصفعة الأقسى التي تلقتها الولايات المتحدة على هذا المستوى لاحقاً، كانت سلسلة المناورات الحربية التي نفذتها البحرية الإيرانية بين عامي 2010 ـ 2016، وتضمنت محاكاة ناجحة لإغلاق مضيق هرمز كخيار بين حزمة خيارات دفاعية في مواجهة عدوان أجنبي وشيك أعربت واشنطن وتل أبيب مراراً عن اعتزامهما شنه.
بالنسبة للقيادة الثورية والسياسية اليمنية فإن جهوزية الرد قائمة على أية حماقة عسكرية تقدم عليها الولايات المتحدة، بمنأى عن التعويل على فيتو صيني ـ إيراني حمائي يعفي اليمنيين من كلفة المجابهة. يتعلق الأمر بمدى استعداد العالم لمواجهة كلفة اشتباك بحري واسع النطاق وبسقف زمني مديد، يفضي بالنتيجة إلى انسداد شريان الملاحة الدولية الحساس: باب المندب. بقي أن نقول إن شغف الاشتباك وجهاً لوجه مع الولايات المتحدة لدى المقاتل اليمني تجاوز حد الهوس.
التعليقات