لم تفلح شتى أضراب القرصنة التي يزاولها تحالف العدوان الكوني على اليمن للعام الثالث توالياً، في ترويض اليمن شعباً وقيادة ثورية بحيث تتوسل الرحمة من عدو مؤكد أو العون والنجدة من صديق محتمل. أمعنوا في أحاديث مقاتلي الجيش واللجان للإعلام الحربي، وأحاديث عامة الناس لشاشات التلفزة، لتقفوا على أبجدية عصامية مغايرة، تعي ما تريد ولا تراهن في تحقيقه على غير الخالق مطلق القدرة، وسواعد الشعب الصابر الثائر المثابر التي يمدُّها ملك الملوك بأسباب القوة اللدنية في محيط من الخذلان البشري منقطع النظير.
لا يكتفي المقاتل اليمني بالقول إنه يدافع عن أرضه وصولاً إلى تحريرها، ويتعدى سقف الطموح الخفيض الإنعزالي هذا إلى الجزم بأنه ماضٍ في دفاعه شطر تخليص الشعوب المستضعفة أينما كانت، وتطهير الأرض على انفساحها من جور الطواغيت وقوى الإستكبار، في حين يجزم إنسان الشارع: «سنحزم الحجارة على بطوننا ولن نركع للهيمنة الأمريكية الصهيونية»، مباهياً بالملاحم البطولية التي تخطها فوهات بنادق مقاتلي الجيش واللجان، وأدمغة وسواعد رجال القوة الصاروخية الفذة على صفحات الأبدية.
لم يظفر تحالف العدوان الكوني بعد على نظرة ذل منكسرة متوددة في عيون شعبنا الشريف، ولا يزال يشاطر قائد ثورته المنطق المؤمن الواثق العالم العامل ذاته: «أشرف لنا وأحب وأكرم أن نتحول إلى ذرات مبعثرة في الهواء من أن نخضع لهؤلاء المجرمين القتلة المسوخ». أجل، تعوزنا كسرة الخبز وقرص الدواء وكراسة المدرسة وورقة البنكنوت، لكن الركوع والاستسلام ليس العملة التي يشتري بها اليمنيون أسباب البقاء بمقايضة الكرامة الإنسانية الأثمن من أثمن المكتسبات المادية. وعدا هذا الموقف كمبدأ، فإن تردي وارتكاس وهوان الحياة في مناطق سيطرة تحالف الإحتلال هي شواهد وبراهين شاخصة على أن خيار المواجهة أياً كانت كلفته هو الخيار الأسلم والأقل كلفة قياساً بمآلات الخنوع والاستسلام أو الركون لحسن نوايا الإحتلال تلافياً لكلفة المواجهة.
صمودنا وبسالة مقاومينا أوجعت العدو الماثل للعيان، وأحرجت الصديق المتواري المحتمل. ومتغيرات الإشتباك الراهن تشير إلى أن العدو سيمضي في عدوانه وقرصنته إلى أقاصي الدناءة والخسة، وسيكتوي الصديق المتفرج بنار معركة ظل ينظر إليها بأنها معركة تخص اليمن وحدها فبات في أتونها مرغماً لا طائعاً. يعتقد العدو أن تجويعاً مطلقاً باحتلال ميناء الحديدة سيفضي ـ ولا ريب ـ إلى استسلام يمني حتمي وغير مشروط، وهي معادلة باطلة منطقياً، فحتى إحكام الخناق بالكامل على قطة هزيلة ليس عملاً حكيماً البتة، عوضاً عن أن تحكم الخناق على شعب أقدام مقاتليه على مشارف مكة و«آرامكو»، ومنصات صواريخه قيد كبسة زر بمحاذاة الشريان الأورطي للدورة النفطية العالمية: «باب المندب». وللشعب اليمني المثل الأعلى الذي اختبر العدو سقف بسالته بالحد الأدنى ولوجاً في العام الثالث من إخفاقات ترسانته العسكرية الجبارة.
لا نريد أن نتعاطى مع شعبنا المتألم المثخن بوصفه أيقونة صمود يستلهمها الشعراء غزلياتهم وحماساتهم، لكننا نؤكد أن أوخم العواقب ستكون من نصيب الصامتين إزاء نزيف دماء أبنائه، فيما إذا أفلح العدو في تقويض جدار صموده، وإن كنا نثق في أنه لن يفلح. إن الذي يتهيب أن يشاطرنا شرف اللحظة اليوم لن يكون بمنأى عن كارثية المآل غداً. تلك هي معادلة الصراع ومنطقه السوي في مفهومنا.
التعليقات