على عكس سياسيين كبار ورجال أعمال ونخبة من رجال الإعلام والثقافة ونشطاء مواقع التواصل الإجتماعي اليمنيين المقيمين في دول "التحالف العربي" الذي تقوده السعودية في اليمن منذ مارس 2015م، غرّد الشّاب اليمني المهاجر في السعودية بحثاً عن الرزق، مصطفى السيّد، غرّد، منذ الوهلة الأولى لـ"عاصفة الحزم" ضد التيّار، مهاجماً قيادة "التحالف" في عقر دارها، ودونما أسماء وهمية.
في حواره التالي مع "العربي"، يروي المدوّن اليمني، مصطفى السيد، رحلة 21 شهراً أمضاها متنقلاً بين 8 سجون سعودية، كاشفاً النقاب عن سجن سعوديين رافضين للحرب التي تشنها بلادهم في اليمن، وتذمر واستياء في الشارع السعودي من الرئيس هادي، معتبراً "عاصفة الحزم مخطّطاً أمريكياً صهيونياً لتوريط نظام آل سعود، وشق صفوف الأسرة الحاكمة هناك"، متوقّعاً "انتصاراً قريباً جداً لليمن".

متى بالضّبط تم اعتقالك؟ وما هي التّهمة التي وجهت إليك؟
تم القبض عليّ في تاريخ 15 شعبان 2015، ووجّهت لي 3 تهم: اﻷولى تأييدي للسيد الرئيس السابق علي عبد الله صالح، الثانية مناهضتي للعدوان وتهكّمي ومهاجمتي للأسرة الحاكمة في السعودية، الثّالثة وهي أﻷخطر أنّني عضو في خليّة تتبع السيد الرئيس السابق.
كم مكثت في السّجن؟ وكيف تم الإفراج عنك؟
مكثت في سجون عديدة سنة وتسعة أشهر، وتم اﻹفراج عنّي حين لم تثبت التّهمة الثالثة ضدي، وحين، وهو اﻷهمّ، تدهورت حالتي الصّحية، وكدت أن أفقد عقلي.
هل حوكمت في محكمة؟
كان من المفترض أن أعرض على محكمة، ولكن تدهور حالتي الصحية كان عائقاً أمام ذلك، وبقيت كل هذه الفترة دون محاكمة، وقد تم تحويلي في تاريخ 13 شوال إلى سجن الترحيل (الشُميسي) في الرياض، حيث بقيت هناك 7 أشهر تقريباً، وهناك تم إصدار حكم إداري (ليس حكم محكمة) بحقي بالسجن 6 أشهر وغرامة 15 ألف ريال سعودي. وكان هذا الحكم أصدر بحقي كوني كنت مقيماً غير شرعي في المملكة بزيارة تجارية انتهت بعد دخولي للمملكة بشهر، وعندما انتهت الستة الأشهر من الحكم طالبوني بدفع الغرامة، قلت لهم لا أملك، فحكموا عليّ مرة أخرى شهراً كوني لم أقُم بدفع الغرامة. وعندما انتهى الشهر، وأمضيت في الترحيل 7 أشهر، جاء أمر ترحيلي إلى اليمن في تاريخ 15 يناير 2017.
كم عدد السجون التي نقلت إليها؟
ثمانية سجون، هي سجن قسم شرطة العليا، وسجن أكاديمية محمد بن نايف، وسجن المديرية العامة للمباحث، وسجن الحاير السياسي في الرياض، وسجن ذهبان السياسي في جدّة، ومن ثم عدت للحاير السياسي في الرياض، ثم لسجن الحاير السياسي القديم، وأخيراً سجن الشميسي للترحيل في الرياض.
هل وجدت مسجونين يمنيين آخرين على قضايا مشابهة لقضيتك؟ كم عددهم؟
قابلت سجناء كثراً قضاياهم مشابهة لقضيتي، ولا أستطيع إحصاء العدد، كوني تنقلت في أكثر من سجن. والمعلومة الهامة التي أتذكرها، هي أن تكون "حوثي" أهون من تكون "عفّاشي"، فالمتهمون بتهم حوثيين يتم التعامل معهم بسلاسة على عكس من تهمته عفاشي.
كيف كانت معاملة إدارة السجن معك؟
من حيث المعاملة كانت معاملتهم سيئة جداً، فمثلاً عندما تقف أمام المحقق أو العسكري، ويعلم ما تهمتي، يتم التعامل معي بمعاملة خبيثة لدرجة أنهم شكّكوا في ديانتي ومذهبي.
لحظات أو مواقف لا تنساها داخل السجن؟
اللحظات كثيرة جدّاً، أهمّها حين مكثت في المستشفى التابع لسجن الحاير السياسي أسبوعين، بحكم أنّي كنت على وشك فقدان عقلي.
هذا يعني أنه كان يسمح لك بالعرض على الأطباء واستخدام العلاج؟
نعم كان يسمح لي في حالات استثنائية فقط، عندما تكون حالتي الصحية متدهورة جداً، وعندي عدّة جلسات مع دكتور نفسي، ويعني أيضاً أنني تعرّضت للضرب والتعذيب، ماتسبب في تدهور حالتي الصحية.
ما هي طبيعة إقامتك في السعودية؟
دخلت السعودية عام 2011 تقريباً في شهر 9 بزيارة تجارية، كوني كنت لا أمتلك شراء فيزا، وعملت في المملكة رغم انتهاء زيارتي بعد شهر من دخولي للمملكة، ولم يكتشفوا أمر انتهاء زيارتي إلا حين تم القبض علي.
كيف تم القبض عليك؟
في تاريخ 15 شعبان 2015 ،اتصل بي عسكري سعودي يعمل في قسم شرطة العليا في الرياض، كان زبوناً لدي في المحل، طلب مني المجيء إلى مقر عملي فأجبته أنني في المحل، وماهي إلا دقائق وكان المحل قد طوق بأربع سيارات بحث جنائي وسيارتي جيب معكّس. نزل من السيارة المعكّسة رجلان يرتديان زياً مدنيً، سألا مدير المحل الهندي عني فلوح بيده باتجاهي قائلاً لهم هناك يجلس، وكنت حينئذ أكتب عن مجزرة ارتكبها طيران العدوان السعودي في العاصمة صنعاء. أتاني وسألني أنت مصطفى السيد؟ فأجبته بنعم، قال لي معك المباحث العامة (آمن الدولة)، ثم أخذ جوّالي ورأى ما كنت أكتب، وعصب عيناي بشماغ (غترة) وشد يدي إلى خلف ظهري، ووضع عليهما الكلبشات، واقتادوني إلى إحدى السيارات. مشيت حوالي من 20 دقيقة إلى نصف ساعة، وكانوا يتحدثون بألغاز لا أفهم ما يعنون، وفجأة توقفت السيارة وأنزلوني إلى مبنى عرفت بعد ذلك أنه قسم شرطة العليا.
ماذا تتذكر من الأسئلة التي وجهت إليك أثناء التحقيقات؟
إستقبلني الضابط المستلم هناك، وسألني هل هذا الجوال يعود إليك؟ أجبته بنعم، ثم أمر العسكري بأخذي إلى زنزانة ضيقة جداً. ومساء ذات اليوم تعرضت للتعذيب، وتم نقلى إلى مبنى إدارة الضبط الجنائي في حي الورود ، حيث وضعت في زنزانة ضيقة جداً جداً إلى صباح اليوم الثاني الساعة التاسعة صباحاً. أخذوني إلى الطابق الثاني حيث مدير مبنى إدارة الضبط الجنائي برتبة عميد. تفاجآت حينها بصفحتي الفيسبوك موجودة على جهازه اللابتوب يتصفحها، سألني هل هذه صفحتك؟ أجبته بنعم، وهل كل ما كتب فيها كتبته أنت؟ أجبته بنعم، وسألني عن آخر بوست لي وكان البوست يتحدّث عن أنّ داعش وآل سعود وجهان لعملة واحدة، قال لي هل من كتب هذا أنت؟ أجبته بنعم.
كل السياسيين وقادة الأحزاب اليمنيين المقيمين في السعودية مؤيدون للتدخل العسكري السعودي في اليمن، فما الذي دفعك لتتخذ الموقف المعارض وأنت تعمل في السعودية وقد تعرض حياتك للخطر؟
إجابتي ستكون بعيدة عن الشعارات الزائفة، ما دفعني لتعريض حياتي للخطر، وأن أكتب ضد العدوان وأهاجم آل سعود وأنا في أرضهم وبين شعبهم، هو تلك الجرائم التي قام بها عدوان آل سعود بحق شعبي ووطني.
باعتقادك، ومن خلال تجربتك هناك، كيف يمكن قياس انطباع الشارع السعودي عن الحرب التي تشنها بلاده في اليمن؟
إنطباع الشّارع السعودي وخاصّة أبناء الجنوب كان مستاء من هذه الحرب العبثية. وكنت قبل الإعتقال قد واجهت أشخاصاً كثراً، وكانوا يتذمّرون من هذه الحرب، وقابلت سعوديين في معتقلي، وهناك الطامة الكبرى، وجدت سعوديين مسجونين بسبب تغريدات على "تويتر" مناهضة للحرب.
وكيف يمكن فهم موقف الشارع السعودي من اليمنيين المقيمين في فنادق الرياض؟
لكي أكون منصفاً، وجدت من هو مؤيّد ومعارض، لكن في المقابل كان موقف غالبية الشارع السعودي مستاء وبقوة من المدعو هادي، كونه يملك شخصية ضعيفة ورئيساً فاراً لا يملك قراره.
كتبت مبكراً أن "استمرار العدوان السعودي على اليمن هو استنزاف لنظام آل سعود"، هناك من يرى في الاستنزاف رهاناً خاسراً؟
ليس رهاناً خاسراً، بل هو واقع، ﻷنّ ما حدث في اليمن هو مخطّط أمريكي صهيوني لتوريط نظام آل سعود في حرب اليمن، وفتح ثغرة لهذا النظام هدفها خلق مشاكل بين الأسرة الحاكمة وشقّ صفوفهم، وهذا ما حدث. ولعلّ تصريح ترامب في حملته الانتخابية كان دليلاً على ذلك حين قال إن بن سلمان بعد ثلاثة أشهر من الحرب ذهب للبيت الأبيض طالباً منهم أن يخرجوا نظامهم من ورطته.
توقّعت مبكراً أن صواريخ اليمن سوف تصل إلى العمق السعودي. هل تعتقد أن الصورايخ وحدها كافية كقوات ردع لتغيير المعادلة؟
الصورايخ هي جزء من الحل، وهي التي ستقلب المعادلة، لأن وصول صواريخنا إلى عقر دارهم سيوصل رسالة للعدو بأننا قادرون على ضرب كل أهدافكم، وفي المقابل يجب ضرب عملائهم في الداخل، وتكثيف القتال في كل جبهات القتال وخاصة في الحدود إلى أن ينصاع العدو لنا.
كيف شاهدت اليمن على الواقع وبعيداً عن قنوات التلفزة ومواقع التواصل الإجتماعي؟
حقيقة اندهشت ممّا رأيت. شعب عايش ويصارع على لقمة العيش، وكأنّ الأمر لم يكن. رأيت الدمار وشاهدت جرائم آل سعود. وتجوّلت في بعض أنحاء عاصمة الصمود صنعاء. حزنت كثيراً، ولكن عزيمة الشعب اليمني وإصراره على مباغتة العدو وتكاتفه وتلاحمه ضد هذا العدوان الغاشم جعلني أشعر بانتصار قريب وقريب جداً بإذن الله. ومهما حاول الإعلام تزييف الحقائق إلا أن الواقع غير والحقيقة لا بد أن تظهر يوماً ما.
باعتقادك، ما هي أهداف السعودية من حربها في اليمن؟ وهل تعتقد أنها تحققت بعد قرابة عامين؟
من وجهة نظري هي كثيرة، أهمّها تدمير الجيش اليمني، كونه كان يمثّل لهم قلقاً كبيراً، وخاصّة قوات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة، التي كانت تملك من القوة والعدة والعتاد والمهارات ما لا يملكه جيش آخر في المنطقة، ومع كل هذا لم يتحقق لهم أي شيء. فرغم كل المؤامرات والحقد والتدمير، مازال الجيش والشعب يقاوم ويقاتل ويدافع عن وطنه بكل بسالة وشجاعة.
كيف كانت رحلة العودة إلى اليمن؟ وما الذي تنوي عمله على الصعيد الشخصي؟
كانت عودتي لليمن بمثابة ولادة جديدة، وخاصّة حين التقيت بأهلي، والدي والدتي وإخواني، وأنوى الإستقرار في اليمن، وعملي في مجال الصحافة، ودفاعي عن هذا الوطن والشعب.
التعليقات