لأول مرة منذ بدء مشاركة جنودها في عمليات «التحالف» العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن في مارس 2015م، رفعت السلطات السودانية حظرها الإعلامي عن أخبار جنودها المشاركين في معارك جبهات الداخل إلى جوار قوات الرئيس عبد ربه منصور هادي، وذلك بإعلانها رسمياً، قبل أيام، مقتل 5 وإصابة 22 آخرين في معارك ضارية بجبهات الساحل الغربي. تقول مصادر في قوات «أنصار الله» وحلفائها إن الضحايا من «مرتزقة السودان» أكبر بكثير من الرقم المعلن، مدّعيةً، في حديث إلى «العربي»، «أسر 15 جندياً سودانياً في عملية التفاف مباغتة قرب جبل النار، في مديرية المخا، بمحافظة تعز، جنوب غرب اليمن، يوم الجمعة (14 أبريل)».
عزاء سوداني لجبهات الحدود
إعلان القوات السودانية المتأخر جداً - وفقاً لنشطاء سودانيين - قياساً بحجم ضحاياها الذين يشكلون حطب نيران المعارك في أوج التهابها، جاء بعد يومين اثنين من إعلان زيارة وفد من قيادات قوات «التحالف» إلى ولاية النيل الأزرق في السودان، لتقديم واجب العزاء لأسرة موسى إبراهيم النور، الذي أُعلن مقتله «بالأراضي المقدسة تحت لواء قوات الدعم السريع»، دونما تفاصيل أكثر. لكن حديث والي الولاية هناك، الذي أكد، خلال استقباله وفد «التحالف» «جاهزيّة مواطني الولاية للانخراط في كتائب الدفاع عن أرض الحرمين الشريفين ودعم الشرعية بجمهورية اليمن الشقيقة»، يوحي بمقتل موسى إبراهيم (يعتقد أنه ضابط رفيع) في جبهات الحدود التي تشهد هي الأخرى تصعيداً لافتاً، بإعلان مقاتلي «أنصار الله» والقوات المتحالفة معها اقتحامهم لعشرات المواقع والثكنات العسكرية للقوات السعودية خلال الأيام القليلة الماضية، وهو ما يعني إجمالاً إحلال جنود السودان بديلاً عن جنود السعودية في الحدود، وجنود الإمارات في جبهات الداخل.
«عودة فطايس»
«ربّنا يصبّر أُسر القوات المسلحة في اليمن، ماتوا لا ليهم يد أو كراع (ما دون الركبة إلى الكعب)، في هذه الحرب اللعينة». هكذا يعلّق الناشط السوداني، النصري أمين، على نبأ وصول جثامين قلتى جيش بلاده في اليمن، فيما يعتقد أزهري مدني أن الإعلان الرسمي عن استقبال الجثث يعني «بدء مسلسل عودة فطايس وجرحى مرتزقة ميليشيا البشير من اليمن»، مضيفاً، في تغريدة على موقع «تويتر» أن «من يقاتل أهل اليمن ليس جيشنا»، رافضاً في الوقت نفسه «المتاجرة بدماء أبنائنا في سوق النخاسة العربية».
حطب المعارك
وتشير تقارير إعلامية إلى أن الإمارات استبدلت قوّاتها في اليمن بنحو ألف جندي سوداني يتم نقلهم على دفعات، منذ مقتل نحو 50 من ضباط وجنود الإمارات في عملية «توشكا» الشهيرة في مأرب (سبتمبر 2015)، في حين تحدثت مصادر إعلامية أخرى عن صفقة بين قيادات البلدين، تضمنت تأجير 50 ألف جندي سوداني للإمارات، على أن يحصل الجندي السوداني على مبلغ ألفي دولار شهرياً، وهو مبلغ اعتُبر أقل من تكلفة جندي القوات الكولومبية التي استعانت الإمارات بها قبل عدة أشهر. وفي حديثها إلى «العربي»، تقدر مصادر في صفوف قوات «أنصار الله» عدد قتلى جنود السودان في اليمن بأكثر من 100 جندي منذ بدء مشاركتهم. وفي أكتوبر 2015، قُتل 30 جندياً سودانياً في مواجهات بمأرب، وذلك بعد أيام من إعلان وصول نحو ثلاثة آلاف جندي سوداني إلى عدن.
أسعار رخيصة
وكان لافتاً انتعاش الحركة الدبلوماسية بين الإمارات والسودان، خلال الأشهر الماضية، والذي تُوّج بإعلان حصول السودان، في 20 يناير الماضي، على وديعة إماراتية بقيمة 500 مليون دولار. وأثار منح الإمارات وسام الشيخ زايد من الدرجة الأولى للرئيس عمر البشير أسف واستنكار نشطاء سودانيين، من بينهم الناشط عبدين محمد، الذي قال إنه «للأسف، هذا الوسام هو ثمن 5000 جندي سوداني، تم استئجارهم من الإمارات للحرب في اليمن بدلاً من أبنائها»، مضيفاً أنه «ومازال الوطن وأبناؤه عرضةً لمن يدفع».
«ما دخل جنودنا؟»
وأثار منظر الجنود السودانيين في اليمن بدون دروع شخصية حزن نشطاء وباحثين، منهم الباحث في علم الإجتماع المعرفي والسياسي، الناشط السوداني، عبد العظيم الشوتلي، الذي تساءل في هذا السياق: «أين أموال الإمارات؟ أين الدروع المخزنة بمخازن تجارة الترانزيت بدبي؟»، مشيراً بنبرة غاضبة إلى أن «الإمارات تحتل جزيرة هناك ليبني مترفوها قصراً، أو يشبع آل سعود حقدهم، أو يجنّ هادي... ما دخل جنودنا؟».
حرب معقدة وأطراف متورطة
ومطلع مارس الماضي، وصف بيان صادر عن «قوى نداء السودان» مشاركة قوات من بلاده في حرب اليمن «المعقّدة» بأنها «عملية ارتهان وارتزاق بامتياز». وذكّر البيان بـ«التجارب المشرّفة للقوات السودانية، ومشاركاتها في حروب إقليمية في مصر وفلسطين والكويت والأردن ولبنان، لرد العدوان وإطفاء الحريق وإصلاح ذات البين ومصلحة الشعوب». وكان رئيس حزب الأمّة القومي في السودان، الصادق المهدي، دعا حكومة بلاده إلى سحب قواتها المشاركة في حرب اليمن، ووصف مشاركة السودان فيها بـ«الخطأ الكبير»، معرباً عن اعتقاده بأن «السودان، وبحكم علاقاته المتينة مع طرفي النزاع في اليمن، يمكنه التوسط من أجل إيقاف الحرب». وفي مقابلة تلفزيونية مطلع مارس، رأى المهدي أن «كل الأطراف المشاركة في الحرب باليمن يشعرون بأنهم متورطون».
تساؤلات مشروعة
وإجمالاً، يبقى التأكيد على أحقية كل سوداني في التساؤل عن مشروعية مشاركة أبناء بلاده في حرب اليمن بحجة «إعادة الشرعية»، في حين أن الحكومة السودانية نفسها متّهمة بـ«سرقة الشرعية»، بحسب الكاتب السوداني، بشير عبد القادر، الذي يثير حزمة تساؤلات من بينها: «لماذا يذهب الجندي السوداني المسلم ليقاتل أخاه المسلم في اليمن؟ ولماذا هم من القوات المسلحة البرية تحديداً؟ وهل حياة الجندي السوداني رخيصة مقارنة ببقية الجنود من الدول العربية والإسلامية الأخرى التي تشارك في الحرب بالضربات الجوية فقط، خاصة بعد رفض دول مثل باكستان والمغرب ومصر إرسال قوات برّية للمشاركة مع قوات التحالف في حرب اليمن؟».
التعليقات