التهديد «المحتمل» الذي شنت السعودية عدوانها على اليمن تلافياً له، طبقاً لدوافعها المعلنة؛ بات تهديداً قطعياً، تماماً كما استشرفه سماحة السيد حسن نصر الله في خطابه الأول عقب أسابيع من بدء العدوان، وكان بوسع السعودية أن تتلافاه باكراً لو أنها أصغت حينها لنصائح سيد المقاومة وأخذتها على محمل الجد.
يكشف ما يمكن تسميته بـ«حوار المخاوف» بين مدير عام قناة «العربية»، تركي الدخيل، ولسان تحالف العدوان، أحمد عسيري؛ شعوراً سعودياً عميقاً بفداحة الورطة التي أوقعت المملكة نفسها فيها، ولما كانت أراضيها واقتصادها ورعاياها وجيشها في أتم العافية والأمن قبل 26 مارس 2015، فقد غدا لزاماً عليها اليوم أن تتريث ما أمكنها الوقت لتحصي خسائرها تحت ضغط انفضاحها للداخل السعودي تحديداً وتداعي هيبتها في أنظاره واهتزاز ثقته فيها.
تميزت أسئلة الدخيل، الاثنين الفائت، للعسيري، برشة جريئة فوق عادة خطاب القناة القائم على تخدير أعصاب المشاهد السعودي والخليجي وتمسيج نفسيته المتوترة بكيل الأكاذيب والفبركات عن «انتصارات ملك الحزم المطلق».
«هل أصبحت السعودية ودول الخليج، اليوم، أكثر أمناً؟ هل طال أمد الحرب في اليمن؟ ما صحة ما تتحدث عنه المنظمات حول هذه الحرب؟ ما حجم المخاطر على الحدود؟ ما حجم الخسائر؟...»، على هذا المنوال غزل الدخيل أسئلته للعسيري الذي حاورته القناة بوصفه «نائب وزير الدفاع السعودي» لا «الناطق باسم التحالف»، وهو أمر يدلل على حاجة المملكة لأن تكون ـ فقط ـ نفسها، مترجلة بهوان عن سدة عرش انتحال صفة «دولة عظمى تقود حلفاً إقليمياً عسكرياً للدفاع عن الأمة»، إلى واقع دولة مستهدفة في حدودها وأمنها، تتحسس أطرافها الجنوبية وتحصي الأضرار التي ألحقتها بها «مقذوفات مليشيا حوثية» تمثل «أقلية الأقلية»، حد توصيف العسيري لها.
لا أقول إن القناة قد تخلت عن سياسة الكذب على النفس وعلى الغير، لكن نفسية المشاهد المحلي السعودي المثخنة بالخوف من المستقبل وفقدان الثقة بـ«الغلمان الورثة والعائلة المالكة»، لم تعد مطواعة وآيلة لتصديق الأكاذيب، ولا مناص أمام إعلام المملكة في سبيل أن يتملق نفسية تلك حالها من أن يخفض جناح الذل لهدير حقائق الواقع، وقد خفضه تركي الدخيل بالقدر الذي يبقى على المشاهد المحلي في تماس أسوار حظيرة التضليل، خوفاً من أن يقع كلياً في مهب سطوع فيديوهات الإعلام الحربي اليمني.
وثمة مغزى سياسي موارب خلف لجوء «العربية» إلى رفع منسوب المكاشفة والتموضع في حدود سعودية محضة في مقاربتها للحرب على اليمن، فالمملكة وإن استمرت في النظر إلى الأزمة والاشتباك الدائر بوصفه «اشتباكاً يمنياً ـ يمنياً وأزمة بين مكونات يمنية»، إلا أنها تدرك استحالة أن تتلافى تداعيات هذا الاشتباك على كيانها وأراضيها ومستقبل لعبة الملك فيها، دون الرضوخ لحوار أو تفاوض ثنائي سعودي ـ يمني، تتسول من خلاله بالحد الأدنى كبح جماح هذه التداعيات. لذا فإنها بحاجة إلى تمهيد إعلامي شطر هذه الوجهة، يبدأ بتقديم نفسها كدولة متضررة، مجاورة بالصفة والاسم، بمنأى عن تقديم مآزقها ضمن حلف لا يشاطرها أطرافه المآزق ذاتها ولا يعنيهم أمر البحث عن معالجات لها.
إلى ذلك، فإن الدمية الملطخة بالبيض الفاسد (أحمد عسيري)، قد يجرى استبدالها بـ«دمية أكثر قيافة» في قادم الأيام، تودداً للرأي العام الغربي الذي استعصى على مملكة الزيت تدليك ضمير شريحة واسعة منه بالدولارات والهبات القذرة.
التعليقات