لم تمض أكثر من 24 ساعة على تصريح المتحدّث باسم قوات «التحالف العربي»، اللواء أحمد عسيري، والتي كشف فيها النقاب عن طلب مصري للمشاركة بقوات برية قوامها 40 ألف جندي، حتى تراجع عن حديثه التلفزيوني الموثق، نافياً العرض المصري، متناقضاً مع نفسه، في ما عُدّ مظهراً من مظاهر التخبط السياسي والتضليل الإعلامي في إدارة عمليات «التحالف» الذي تقوده السعودية في اليمن منذ مارس عام 2015م.
تنبيه مصري مؤدّب
وبين حديث اللواء أحمد عسيري حول مشاركة / عدم مشاركة مصر بقوات برّية، كان لافتاً تداول وسائل إعلام مصرية محدودة وغير رسمية، تصريحاً لما وصف بأنه «مصدر مطّلع»، تضمن تنبيهاً مؤدّباً للمتحدث باسم قوات «التحالف»، وترجيحاً بن يكون «عسيري قد خانه اللفظ والتعبير». وأكد المصدر أن «السعودية طلبت من مصر في وقت سابق إرسال قوات برية لكنّنا رفضنا ذلك الأمر نهائياً»، لافتاً إلى أن هذا الأمر «هو أحد الأسباب الأساسية للخلاف بين الدولتين خلال الفترة الماضية».
قرأ اللواء عسيري تصريح «المصدر المصري المطلع» كما لو أنه رسالة تحذيرية من مغبّة اللعب على مشاعر الجمهور والرأي العام المصري، إن لم يكن تهديداً بكشف المستور، فسارع لالتقاط الفرصة والتراجع عن تصريحه، قاطعاً بذلك الطريق أمام الإعلام المصري، الذي على ما يبدو كان يتحين مثل هذه اللحظة.
«لمّ نفسك» ياعسيري!
تراجع اللواء عسيري، وإن جنّبه سياط الإعلام الرسمي المصري، فإنه لم يسلمه من تعليقات إعلاميين وكتاب ونشطاء مصريين. فهذا الكاتب الصحافي والإعلامي المصري، سامح عسكر، يقرأ في تصريح عسيري «الكاذب» قبل التراجع عنه محاولة «لطمأنة الداخل السعودي الذي بدأ يتململ من طول الحرب وتأخر النصر، وعدم وجود مبشرات بإنهاء مشرّف للأزمة»، موضحاً في هذا السياق أن «السعودية كان هاين عليها (تبوس) أقدام جنرالات الجيش المصري لإرسال جنود، حاولوا مع باكستان والمغرب والسنغال، ولم يوافق سوى (مجنون السودان)».
وعلى صفحته في موقع «تويتر»، يعلق جمال السنباطي، طبيب مصري، على الأمر، مخاطباً اللواء أحمد عسيري بالقول: «لم نفسك يا احمد يا عسيري، وبلاش أكاذيب عن مصر وبعدين تسحب كلامك وتصححه... جيش مصر لا يقتل عربي مثلكم يا عسيري».
سلسلة تناقضات
حديث اللواء عسيري المتناقض مع بعضه ليس الأوّل من نوعه. فعلى مدى عامين ماضيين من عمر «عاصفة الحزم» برزت عشرات المواقف المشابهة لحالة الإرتباك «العسيرية» تلك. بعد شهور على إعلانه تدمير ما نسبته 95% من الأسلحة والصواريخ في اليمن، عاود عسيري، في شهر سبتمبر 2015، اتهام الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، بإخفاء صواريخ باليستية في الكهوف، قبل أن يقرّ، في مارس 2017، باستقبال مناطق قرب العاصمة السعودية الرياض 4 صواريخ باليستية، بعيدة المدى، أطلقتها «أنصار الله» من أراضٍ يمنية.
«باليستي مكة»
وعلى المنوال نفسه، لم يلبث حديث المتحدّث باسم «التحالف» في أكتوبر 2016، على شاشة قناة «الإخبارية» السعودية، والذي اتّهم فيه «أنصار الله» باستهداف «كعبة المسلمين ومدينة مكة» بصاروخ باليستي، لم يلبث كثيراً من الوقت، حتى تراجع اللواء أحمد عسيري عنه، موضحاً أن الصاروخ «كان متجهاً إلى مطار الملك عبد العزيز، بمدينة جدة».
... وللمنظمات الدولية نصيب
وفي مايو 2016، كذّبت بلقيس ويلي، الباحثة في شؤون اليمن والكويت، وممثلة منظمة «هيومن رايتس ووتش» في اليمن، أحاديث إعلامية للواء عسيري قال فيها إنّه «لا يوجد أي فريق لهيومن رايتس ووتش على الأرض في اليمن». وجاء حديث عسري رداً على سؤال «الإذاعة الوطنية الأمريكية» (NPR) حول الغارة الجوية التي وقعت في 15 مارس 2016 على سوق مستباء بحجة شمال اليمن والتي قتل فيها 97 مدنياً. وفي مقال نشرته المنظمة عبر موقعها باللغة الإنجليزية، يوم الاثنين 16 مايو 2016، قالت ويلي: «في الواقع، سافرت إلى اليمن أربع مرات منذ بداية الحرب في مارس عام 2015، وفي الرحلة الرابعة قضيت فيها أسبوعين».
وعلقت على حديث عسيري القائل إنه «لا أحد يدخل إلى اليمن بدون إذن من قوات التحالف»، بأن «حديث عسيري مثير للضحك. فمنذ بداية الحرب، كل الرحلات اليمنية الجوية إلى صنعاء يتوجب عليها أن تهبط في المملكة العربية السعودية لإجراءات التفتيش، وفي كل مرة، كنت الوحيدة من بين المسافرين الذين يحقق بدقة في جواز سفرهم من قبل ضباط الهجرة السعوديين (...) السعوديون يعرفونني في كل مرة أزور اليمن».
«غطرسة متناهية»
وأثار إنكار اللواء عسيري وجود أي حصار على اليمن، سخرية «المجلس السياسي الأعلى»، الذي تدخل في وقت سابق للرد على المتحدث باسم «عاصفة الحزم»، وذلك على لسان مصدر مسؤول أعرب عن اعتقاده بأنه «لا يمكن أن تنطلي هذه الأكاذيب والافتراءات وهذه الغطرسة المتناهية للعدوان على أحد». وأضاف المصدر ساخراً أنه «قد يأتي اليوم الذي تنفي فيه السعودية شن عدوان على اليمن، فقد تعوّدت على شراء الذمم والمواقف الدولية، بما فيها هيئات ومؤسسات حقوقية وإنسانية عالمية لتمرير أكاذيبها، والصمت تجاه مجازرها».
التعليقات