لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنشأ دويلات الهويات الصغيرة المناطقية والجهوية والمذهبية، إلا على قاعدة تقويض الهوية الكبرى في أطوارها الرحبة الوطنية والقومية والدينية والانسانية، ومن ثم الإحتراب في ما بينها لترسيم الحدود الإنعزالية لكل «هوية ـ دويلة» في علاقاتها بالأخرى، وصولاً إلى الإحتراب داخل قوقعة «الهوية ـ الدويلة» الواحدة ذاتها، لتسمية المرجعية الأجدر بتمثيلها، في دورة متصلة من التناحر والتدمير الذاتي، تلتهم كل فضاء اجتماعي صحي مؤاتٍ للحياة صغيراً كان أم كبيراً وضيقاً أم رحباً. هذا النزوع الإنعزالي يشبه العد التنازلي الذي يفضي في نهاية المطاف إلى صفرية معلومة بالبداهة حتى لدى أصحاب التوجه الإنعزالي أنفسهم.
لكن إذا كان هذا التلاشي معلوماً سلفاً لدى هؤلاء، فما حوافزهم للمضي بمثابرة شطر هاوية الصفرية والفناء الحتمي كوجود؟! بصيغة أخرى، إذا كان تمزيق اليمن إلى جنوب وشمال، سيفضي حتماً لتمزيق الجنوب إلى شرق وغرب، وحضارم ومهريين وعدنيين وبدو محتربين، فما المصلحة من استمرار البعض في الدعوة لـ«فك الإرتباط»، رغم علمهم بحتمية هذا المآل؟!
في حين يتذرع دعاة الأقلمة بفرضية التضاد الزيدي ـ الشافعي، و«مطلع ـ منزل»، و«تعزي ـ صنعاني»، لتمزيق اليمن على ناظم تجانس مذهبي ومناطقي متخيل، تدحضه براهين الواقع المتمظهرة في تهجير «شوافع الجنوب مجازاً» لـ«شوافع الشمال مجازاً»، ونزوح أبناء تعز فراراً من بطش «أبناء تعز مجازاً» إلى «إقليم آزال الزيدي مجازاً»، ورفض المهريين للانضواء في إقليم واحد مع الحضارم، رغم أن كلاهما شوافع وفقاً لهذا الفرز الإنعزالي!
إن الصفرية والتلاشي كمصير معلوم للهويات الصغيرة المنكفئة، هو الغاية التي يسعى لتحقيقها دعاة الإنفصال والأقلمة، غير عابئين بجنوب أو شمال أو بمذهب دون آخر ومنطقة دون سواها. إن انحسار رقعة الوجود اليمني يعني اتساع رقعة هيمنة المدير التنفيذي الأمريكي، بوصفه الأجدر بالوجود، وذلك هو جوهر ما يستهدفه وكلاؤه من وراء لعبة تضييق دوائر الهويات الرحبة والجامعة إلى الداخل على هيئة زوبعة هويات مرتدة مدمرة، تنبش عن التناقضات وتجسمها وتمنحها الأظافر وإمكانات الإنتحار الذاتي، على أنقاض المشتركات الواضحة والجلية سواء الموضوعية أو الذاتية منها.
في واقع كهذا، يغدو وجود الأصيل في موطنه احتلالاً، فيما يغدو وجود الدخيل أصيلاً والاحتلال تحريراً، وسعيُ الشعوب إلى امتلاك قرارها وسيادتها تدخلاً وفضولاً مرفوضاً في شؤون لا تخصها بل تخص أمريكا حصراً، وفقاً لمقاربة سيد الثورة، السيد عبد الملك، في كلمته بمناسبة الذكرى السنوية لاستشهاد القائد المؤسس، السيد حسين الحوثي، الأحد الفائت.
في حارتنا اليوم كولمبيون وجنجويد وإماراتيون وفلسطينيون وصهاينة وشذاذ آفاق من كل جنس ولون، وأنا الغائب الوحيد عن هذه الزفة النشاز، التي أقيمت على شرف «سنيَّتي وتعزيتي»! وفيما وضعت أموية الأمس أقدامنا على مشارف الأطلنطي، تضع أموية اليوم رؤوسنا تحت أقدام حلف الأطلنطي.
التعليقات