في أغسطس 2014، نفذ الأمريكيون عملية إنزال جوي لسبعين فرداً من الـ«مارينز» على تراب محافظة شبوة اليمنية، بهدف «تخليص صحافي أمريكي من قبضة القاعدة، اسمه سومرز»، على حد تبريرهم، غير أن الصحافي قضى أثناء العملية كما ورد في بيان خارجية واشنطن حينها. وعوضاً عن أن يثير هذا التدخل الفج والانتهاك الفاضح للسيادة الوطنية حفيظة النخبة الحقوقية في اليمن، دشن الحقوقيون حملة تضامن مع المرحوم سومرز، الذي لا سابق معرفة لهم به سوى ما ذكره البيان الأمريكي من أنه «صحافي مختطف»، واستبدل ناشطو هذه النخبة بروفايلاتهم الشخصية على «فيسبوك» و«تويتر» بصورة «الفقيد»!
تلال الأشلاء الآدمية التي مزقها انتحاريو التنظيم التكفيري قبل وأثناء وبعد العملية الآنفة في اليمن، لم تسترع انتباه الحقوقيين بالمطلق ليتضامنوا معها. فالقيمة الناظمة لفلسفة حقوق الإنسان الغربية الإمبريالية هي قيمة محصورة في كل حقل ومنشط وموضوع يفضي إلى تدعيم ركائز النظام العالمي الجديد وإشاعة مثله ومفاهيمه في العالم، وما عداه لا قيمة له.
لا أحد بين هؤلاء النخبة الحقوقية منظمات وأفراداً يرغب في تذكير العالم بمجازر مستشفى العرضي ومسجدي بدر والحشوش وميدان السبعين في صنعاء التي حصدت أرواح مئات البشر. إنهم على أهبة الإستعداد فقط لنجدة الجلاد الأمريكي وتذخير ملفاته الذرائعية بالفبركات والأكاذيب، كحال الحقوقية، رضية المتوكل، صاحبة التقرير الهزلي الأسمج على الإطلاق، والذي تؤكد فيه أن «تسعة وتسعين من الضحايا في اليمن قضوا أو أصيبوا برصاص مضادات الدفاع الجوي الراجع لا بغارات التحالف السعودي الأمريكي»!
ضعوا في خانة البحث على «جوجل» اسم شخص يدعى يحيى الجبيحي ثم مجزرة صالة العزاء الشهيرة، وقارنوا بين وتائر حضور الموضوعين على محرك البحث، لتكتشفوا أن النملة في ميزان الحقوقيين أثقل بعشرات الأضعاف من الفيل. إرتقى رتل طويل من الإعلاميين شهداء أثناء ممارسة المهنة في اليمن بغارات تحالف العدوان طيلة العامين الفائتين، لكن نواح وعويل الحقوقيين انصرف لـ«صحفي!» اسمه الجبيحي، لم تقترف أصابعه خطيئة الكتابة الصحفية ولو لمرة واحدة في عمره، على أنه ـ بحسب لائحة الإتهام ـ حرر مئات التقارير الإستخباراتية، وسرّب ملفات وثائق سرية للسفارة السعودية كجاسوس رخيص لديها، خلال عمله في إدارات حساسة برئاسة الوزراء اليمنية.
امتداداً لذلك، فإن إقصاء قناة «المسيرة» من جملة وسائط الميديا المشاركة في فعاليات «المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون بتونس»، ليس حدثاً من فصيلة الحوادث التي تستفز شهوة مكبرات الصخب الحقوقي لكيل الإدانات وتحرير بيانات التضامن المحذرة من الخطر المحدق بالحريات العامة والخاصة، إن لم يكن هذا الإقصاء أمراً مرحّباً به ـ بطبيعة الحال ـ لا سيما وأنه صدر عن رغبة سعودية لا تعقيب عليها.
لقد اشترى أبو جهل الوهابي باكراً «فليت ستريت ـ لندن»، واقتنى بأموال الكاز معظم الأقلام والصحف وأقنية الميديا كمحظيات حاذقات في جلسات المساج الملكي. وليست دكاكين حقوق الإنسان أكثر منعة من دكاكين الصحافة في مزاد البترودولار، علاوة على أن «عوينات» الفلسفة الحقوقية الإمبريالية كانت منذ البدء مصممة بحيث لا ترى عالماً أبعد من عالم أحذية مشاة البحرية الأمريكية الموكول إليها تطويع رقاب الشعوب كمهمة حضرية مقدسة.
التعليقات