كل دولة شرق أوسطية رهينة لأمريكا في سياساتها وقرارها، هي رهينة لإسرائيل كتحصيل حاصل. وهذا ـ برأيي ـ عين تأويل العبارة الصهيونية الذائعة: «أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل»، كما وتأويل قلق وذعر حكومات كيان العدو إزاء كل ولادة ثورية عربية وإسلامية مناهضة للهيمنة الأمريكية في المنطقة، على غرار ثورة يوليو عبد الناصر، وتصحيحية تشرين الأسد، وفبراير الخميني، وانتفاضة الجنوب اللبناني، وحزيران «حزب الله»، وكانون الشهيد القائد حسين، وأيلول «أنصار الله».
ولادات أفلحت الصهيونية العالمية بتجليها الأمريكي الإسرائيلي في إجهاض بعضها، بينما شبَّ بعضها الآخر فتياً وعصياً على محاولات الكسر والتطويع، ليشرع في رسم حدود وجوده فسيحاً ووازناً كحال الثورة الإيرانية التي شنت واشنطن وتل أبيب وتشنان حروبهما الساخنة والباردة ضدها بلسان حظائر الإذعان العربي، بوصفها تهديداً لظاهرة صوتية اسمها العرب.
ما من صراع عربي ـ إسرائيلي قبل مصر عبد الناصر، فتاريخ الصراع مع الكيان الغاصب لم يبدأ فعلياً إلا لحظة بزوغ وجود عربي مستقل يتمتع بالسيادة على قراره ويصبو إلى مناكبة الوجودات الأخرى ـ إن جاز الإصطلاح ـ في مضامير الحضور الإنساني الفاعل على قاعدة الندية والطموح المشروع. حينها فقط اندلع الصراع، لأن حظيرة شرق أوسطية أفلتت من خطام الإرتهان للاستعمار، وشقت طريقها خارج طابور الإذعان للوصاية الأجنبية، فباتت بالنتيجة خطراً على الوجود الإسرائيلي لا على حدود الأراضي الواقعة تحت احتلاله المباشر، وبات الصراع منذئذ عربياً ـ إسرائيلياً، لا فلسطينياً ـ إسرائيلياً محصوراً في بضعة حيازات عقارية مستهدفة بالتحرير.
هذا الفهم الرحب والعميق لجوهر الصراع يتوافر على الإجابة الشافية لسؤال: لماذا كانت ولا تزال وستبقى القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للعرب بل ولأحرار العالم؟ إنها مركزية لأنها مربض الأسطورة الذرائعية الصهيونية المشرعنة لوجود سرطاني لاغٍ لكل وجود حضاري ثقافي سياسي اجتماعي اقتصادي وازن ومستقل وضارب الجذور في المنطقة، عربياً كان أم فارسياً أم إسلامياً أم مسيحياً. وفي هذا السياق تسقط نظرية «دول الطوق» السبعينية التي تختزل الإشتباك في حدود قطرية متنازع عليها مصرية ـ إسرائيلية، سورية - إسرائيلية، أردنية - إسرائيلية، لبنانية - إسرائيلية، فحيث أن هذه النظرية تهدر عمداً الحقائق الموضوعية الناظمة لطبيعة الصراع وأبعاده، فإنها تقارب الحلول له بوصفه معضلة جيوسياسية مرهونة بتنازلات ثنائية تفضي لترسيم الحدود، وهكذا حازت إسرائيل على اعتراف رسمي عربي بشرعية وجودها مقابل اعترافها بحدود عربية للدول المنخرطة في التطبيع معها، باستثناء سوريا الأسد، وضاقت حلقة الإشتباك لاحقاً، ليشهد ترسيماً حدودياً نظرياً بين فلسطين 67 وإسرائيل، كثمرة معطوبة لشرعية أوسلو.
على أن إيران ليست إحدى دول الطوق، فلماذا تصنفها إسرائيل كتهديد وجودي مباشر لها؟ وكيف يمكن فض الإشتباك هذا مع انتفاء الحدود الجغرافية المشتركة بين الدولتين؟ وفيما أفصحت إسرائيل عن مخاوفها قولاً وعملاً إزاء ثورة الـ21 من أيلول 2014م العربية اليمنية، وباركت وشاركت في تحالف العدوان على اليمن، لم تبد قلقاً بأي قدر من فوز «حماس» المساومة الساحق في الانتخابات البرلمانية عام 2006 المنبثقة عن اتفاقية أوسلو، ويمكن الجزم بأنها شاطرت الحركة أنخاب الإبتهاج بهذا المكسب الذي فقس «وثيقة حماس» الإنبطاحية غير المفاجئة ولا المستغربة، في الأول من مايو الجاري.
لقد تهكم «إخوان أمريكا» في اليمن على شعار «الموت لإسرائيل» الذي ترفعه حركة «أنصار الله» الثورية، زاعمين أن الحركة «لا توزع الموت إلا على اليمنيين»، بيد أن هؤلاء ذاتهم يقاتلون اليوم جنباً إلى جنب مع ضباط صهاينة في اليمن، ويبتهلون حمداً لإسرائيل كلما أغارت طائراتها على سوريا، ويتعهدون لكيان العدو بـ«عدم السماح بنشوء نسخة يمنية من حزب الله اللبناني». إن هذا ليس تطبيعاً ـ بطبيعة الحال ـ بل لسان عربي لوجود صهيوني مهدد بوجود عربي سوري ـ يمني ـ عراقي ـ لبناني أصيل، يجري تجييره على وجود إسلامي إيراني أصيل، فزعاً من كلفة الإقرار به على مستقبل الكيان الصهيوني الطارئ وغير الأصيل، المتلطي بالعُري العربي وانتفاء الوجود الوازن لبلدان الضاد.
التعليقات