على سفح كتلة صخرية متناسقة الشكل وكبيرة الحجم، تربض دار الحَجَر، وسط وادي ظهر في مديرية همدان بمحافظة صنعاء. تحيط بها أشجار العنب والفرسك والسفرجل، قبل أن تزاحمها شجرة القات بكثرة، ويقصدها الزوار والسياح الأجانب (قبل 2015)، كمقصد سياحي يقع على بعد 15 كيلومتراً من العاصمة صنعاء. تعددت الروايات حول بناء قصر دار الحجر، لكن أقربها يشير إلى أنه بُني على أنقاض قصر قديم، على يد الإمام يحيى حميد الدين (اغتيل عام 1948) ليكون مقر إقامته الصيفي، قبل أن يتحول بعد ذلك إلى متحف تشرف عليه وزارة السياحة ومستثمر محلي. واحة خضراء هادئة، ومياه عذبة تسير في جداول زراعية مخصصة لري البساتين المنتشرة في المنطقة، وهندسة معمارية فريدة، تشكل في مجملها لوحة طبيعية في غاية الجمال، تتحقق بين ثناياها ثلاثية «الماء والخُضرة والوجه الحَسن».
35 غرفة في 7 أدوار
يتكون قصر دار الحَجَر من 7 أدوار، تشمل 35 غرفة تسمّى «دواوين» و«مناظر» و«صالات»، تمتزج فيها عوامل الطبيعة بهندسة المعمار الحديث، في تناغم عجيب بين عراقة التاريخ وزخرف الحاضر. ثلاجات طبيعية لتبريد مياه الشرب، خزائن محكمة الإغلاق، وأوان فخارية مرصوصة في أركان دهاليز الدار.
بركة مياه ومطاحن حبوب
وتوجد داخل الدار بركة صغيرة للمياه، تتجمع فيها مياه الأمطار المتسربة من أسطح القصر عبر جداول محكمة الإنشاء، ليتم استغلال هذه المياه لغسيل الملابس وتجفيفها عند شرفة «المصبانة»، الواقعة في الجهة الشرقية للقصر. وبالجوار منها، توجد مطاحن الحبوب الحجرية، «الرحى»، وغرف لتخزين المواد الغذائية تتصل عبر أبواب مخفية بالبساتين المجاورة. جميع نوافذ مبنى دار الحجر مزخرفة بنقوش منحوتة بأشكال هندسية جميلة وألوان زاهية، ويضم بين جنباته عدداً من السلالم الكبيرة والصغيرة ذات الأشكال الدائرية. ويلاحظ أن الإستراتيجية الحربية هي الطاغية في تصميم الدار وبنائه: أبواب سميكة، وفتحات صغيرة في الأركان تسمح فقط بمرور فوهات البنادق، ونوبات حراسة حصينة تنتشر على الجبال المحيطة بالدار.
في مرمى غارات «التحالف»
ومثل غيرها من المناطق السياحية في المحافظات اليمنية، لم يشفع بهاء هذه المنطقة وسحرها الفريد في حمايتها من غارات طيران «التحالف» الذي تقوده السعودية في اليمن منذ مارس 2015م. فوفقاً لمصادر في السلطة المحلية بمحافظة صنعاء، تلقت المنطقة المحيطة بقصر دار الحجر مئات الغارات الجوية منذ 4 يونيو 2015م. ومن تلك الغارات، تتذكر المصادر، قصف طيران «التحالف» لقريتي أنجر والعوش في وادي ظهر بـ15 غارة يوم 10 فبراير 2017م.
وفي حديثه إلى «العربي»، يؤكد رئيس الهيئة العامة للآثار والمتاحف، مهند السياني، تضرر أبواب ونوافذ وعقود قصر دار الحجر، بفعل تلك الغارات التي استهدفت محيط الدار ووادي ظهر. واعتبر بيان صادر عن مكتب السياحة في محافظة صنعاء أن قصف طيران «التحالف» للمنطقة واستهدافه لمبنى دار الحجر «يمثل استهدافاً لتاريخ وتراث وهوية كل اليمنيين، وعدواناً سافراً ضدّ اليمن الأرض والإنسان والحضارة».
قصص متوارثة
الشيخ منصور الهمداني، أحد وجهاء المنطقة، يروي من جانبه، لـ«العربي»، قصصاً تاريخية متوارثة عن القصر، وليس معروفاً مدى صحتها. منها قصة تهدم الدار بفعل أمطار غزيرة هطلت على المنطقة إبان حكم الأتراك، قبل أن يأتي الإمام عبد الله المنصور (أحد أئمة الزيدية، توفي عام 1217) ويعيد بناء أجزاء من أدوار القصر بمادة الحجر الحبش (الأسود).
ويتحدث الهمداني عن رواية أخرى يتناقلها أبناء المنطقة، تفيد بوقوع قتال بين أبناء منطقة همدان وبين الإمام الناصر (أحد أبناء الإمام عبد الله المنصور)، والذي قتل في تلك المعارك وتم دفنه في منطقة مجاورة للقصر بوادي ظهر. وبشأن وضع الدار حالياً، لا يخفي منصور الهمداني تعرضها لنوع من الإهمال وعدم العناية خلال السنوات الأخيرة، مستدركاً بأن «صلابة الدار وتخطيطها منذ تصميمها وإرثها التاريخي، كفيل بمقاومة عواصف الإهمال وعواصف الحروب».
التعليقات