يدقّ أمين جمعان، الأمين العام للمجلس المحلي في أمانة العاصمة صنعاء، ناقوس خطر تفشي وباء الكوليرا في العاصمة، كاشفاً عن تسجيل حالة إصابة جديدة كل 10 دقائق، محذراً كذلك من استمرار أزمة انعدام السيولة النقدية وتداعياتها التي وصفها بـ«الكارثية». ويفيد جمعان بارتفاع عدد سكان صنعاء إلى أكثر من 5 ملايين نسمة، وذلك جرّاء موجات نزوح يومية تستقبلها العاصمة، منذ بدء العمليات العسكرية لقوات «التحالف» الذي تقوده السعودية في اليمن منذ مارس 2015.
ويستعرض جمعان، في حوار مع «العربي»، عدداً من القضايا الخدمية، مؤكداً «استقلالية» السلطة المحلية، ونأى بإدارته عن أطراف «معادلة الصراع والحرب»، حاثّاً في ذات الوقت جميع الأطراف على صناعة السّلام:
- ونحن في شهر رمضان، إلى أي حد يمكن طمأنة سكّان العاصمة صنعاء وضواحيها بتحقيق نوع من الاستقرار التمويني وتوفّر السلع الغذائية ذات الطابع الاستهلاكي الرمضاني، وكذا كبح جماح ارتفاع أسعارها؟
بداية نبعث تهانينا المباركة، وأمنيات السّلام نرفعها عبر موقعكم، ومن خلالكم لكل مجتمع العاصمة صنعاء، وإلى كلّ سكّانها بحلول شهر رمضان الفضيل، ونؤكد اتّخاذ السلطات المحلية بأمانة العاصمة، جملة من التدابير الضبطية والتموينية بالتّشارك مع الاختصاصات الوزارية المعنية من اجل تحقيق الإستقرار التمويني المطلوب.


- مثل ماذا هذه الإجراءات؟ وأين موقعكم من الرقابة على الأسواق؟
نقوم حالياً كسلطة محليّة يناط بها اختصاصياً، بتولّي مهام رقابية تحمي المستهلك وتمنع كلّ مظاهر الإستغلال أو الاحتكار أو التجاوزات السريعة المختلفة، ونعمل من خلال مكتب الصّناعة والتجارة بأمانة العاصمة، والأطر المعنية المشاركة ذات العلاقة على إعادة التوازن التمويني للسوق، ووقف موجة الإرتفاعات الجنونية في أسعار مادة الغاز المنزلي، والتي شهدتها العاصمة صنعاء خلال الأيّام الماضية.

- إلى ما قبل أيام قليلة، كانت شوارع العاصمة تكاد تنسد بأكوام القمامة، كيف عالجتم قضية مرتبات عمال النظافة؟ وهل نتوقع مستقبلا تكرار/عدم تكرار مشكلة صرف مرتبات عمال النظافة؟
أنتهز هذه الفرصة لنتقدم نحن السلطات المحلية بأمانة العاصمة صنعاء، والمكتب التنفيذي لمواطنينا الكرام الأفاضل وللمجتمع المحلي، بآيات اعتذاراتنا وشديد تأسفنا وعظيم امتناننا على حسن تعاونهم وتفهّمهم لطبيعة تلك العوائق والتّحديات الصعبة، التي تسبّبت في إيقاف مؤقّت طارئ لخدمات النظافة، كفعل احتجاجي استدعته حقيقة إفرازات التعطيل التي انتهجتها الجهات المالية المعنية في حكومة الإنقاذ، والتّعسفات المصاحبة الرّامية لمنع صرف استحقاقات هؤلاء الأماجد ابطال ومناضلي العمل الوطني والبيئي رجال الرّجال، عمّال النظافة وكافة منتسبي قطاع البلديات والبيئة بأمانة العاصمة صنعاء.

- البعض قال حينها إن تأخير صرف مرتّبات عمال النظافة لعدم توريد أمانة العاصمة إيرادات؟
رغم توافر الرصيد البنكي الكافي، والتزام أمانة العاصمة توريد كافة إيراداتها المالية بشكل يومي للبنك المركزي اليمني، وكفاية الرّصيد المرحّل لكامل استحقاقات العمّال المتأخرة، إلاّ أنّنا فوجئنا بعرقلة واضحة ومقصودة، لا ندرك جوهر أسبابها من قبل وزارة المالية والبنك المركزي اليمني.

- كيف عولجت بعد ذلك هذه القضية ؟
قامت أمانة العاصمة ومعها كلّ القوى الوطنيّة الخيّرة، لوضع حلّ عاجل ومباشر يتسنّى من خلاله صرف استحقاقات عمّال النظافة، حرصاً منّا على منع كارثة بيئية كادت أن تكون، ما لم يتمّ استئناف أعمال النظافة، ومنع تفاقم التّكدس الكارثي للقمامة، وتمثّلت مجموعة الحل المتّخذ في التواصل مع اعتباريات وطنية عليها التزامات مرحلة خاصة بأمانة العاصمة صنعاء، والتي قامت بالتوريد العاجل وللحساب المصرفي المؤقّت، والذي تمكنّا من خلاله من صرف استحقاقات عمّال النّظافة والبلديات لشهري فبراير ومارس2017، وفي ضوء ذلك باشرت كلّ الفرق الميدانية أعمالها اليومية في جانب رفع المخلّفات والتراكمات الكبيرة للقمامة، وهي الجهود الاستثنائية الجليلة التي يؤكّد من خلالها هؤلاء العمّال انتمائيتهم الوطنية وتفانيهم وإخلاصهم في خدمة مجتمعهم والإسهام الايجابي في نمائه وتقدّمه.

- إلى أي حد ألقت مشكلة إنعدام السيولة النقدية بظلالها على الأداء الخدمي والتنموي بشكل عام لديكم، وهل من تدابير متخذة لمواجهة هذه المشكلة؟
تعطيل شبه كامل بات يعتري كلّ الوظائف الحيوية للدّولة وللسّلطة المحلية، في ظلّ استمرار انعدام السيولة، وتعنّت الجهات المالية المعنية في صرف الاحتياجات التشغيلية، وركام كارثي توشك تداعياته أن تفضي - بما تحمله من انسحابات - إلى انهيار مؤسّسي قادم على ما تبقى من المفهوم العام للدولة وللمؤسّسات الاعتبارية الأساسية للمدنية وللفعل الحكومي الإداري والتنموي .

- ولكن أنتم في موقع المسئولية، أين دوركم؟
لا أجد أمام هذا الوضع الصّعب غير تقديم إعتذارات الأسى أحملها وجعاً للمواطن، وغير رايات الانتماء أرفعها في وجه هذه النّخب السياسية، التي أضحت اليوم عامل التعطيل الأوّل للتّوافقات الوطنية، في ظل واقع صراع لا ينتهي، يقطر القلب دماً وأنا أشاهد صور الأشلاء أطفالاً ونساء، وتلك التراكمات التراتبية البشرية التي تستجدي الظمأ طلباً للماء أو بحثاً عن لقمة عيش، أو وسيلة نقل.

- وباء الكوليرا، في أمانة العاصمة هل ما يزال الوضع تحت السيطرة؟
نأمل أن تكون حالة الطوارئ الصحية مؤقتة، ومع استمرار تفشي وباء الكوليرا، يمكن القول، إنّه في كل عشر دقائق تسجل حالة إصابة جديدة، لذلك ندق ناقوس الخطر، ونحن نودع يومياً العشرات من الضحايا المدنيين والأطفال والنساء جرّاء هذا التهديد الوبائي، والوضع الصحي الصّعب، والذي يأتي في إطار تداعيات الصراع والحرب والانسحابات السلبية المتفاقمة نتيجة الحصار البري والبحري والجوي المفروض على اليمن، ونؤكّد خطورة الوضع الصحي والإنساني في العاصمة صنعاء، ويكابد أحزانه وآلامه مجتمعها التنوعي مواطنين مدنيين وخاصة الأطفال والنساء.

- كيف تواجهون مشكلة النقص الحاد في المحاليل والأدوية؟
نناشد ومن خلالكم مختلف الهيئات والمنظمات الإنسانية والدولية، كسر حاجز الصمت والتخاذل، ومدّ يد العون والمساعدة لوقف شبح الموت، وكبح جماح التهديد الوبائي الراهن، والذي قد يحصد أرواح المدنيين الذين لاحول لهم ولا قوّة، ما لم يتم وضع التدخلات التعاملية الصحية والدوائية المناسبة في سياق خطط الاستجابة الإنسانية العاجلة كمنظومة عمل طوارئ إقليمية عربية ودولية مشتركة، لإنقاذ حياة المئات والآلاف والملايين من اليمنيين كأولوية إغاثية، وكواجب عربي يحتم على الجميع حشد كل جهد إنساني خيّر لوقف هذا الإنهيار على طريق وقف الحرب وفك الحصار على اليمن إبتداءً بإعادة إستئناف الحركة الملاحية بمطار صنعاء الدولي.

- إستقبلت أمانة العاصمة موجات نزوح غير معلنة منذ مارس 2015، فكم تقدرون عدد النازحين إلى أمانة العاصمة؟ وما نتائج ذلك على مستوى الخدمات؟
كمتغيّر يومي لا يمكن تحديده بشكل دقيق، إلاّ أن تقديراتنا المحلية تؤكّد رصد نزوح ما يزيد عن مليوني نازح منذ شنّ «التحالف» غاراته على وطنّا وحتى اليوم، وموجة النزوح اليومي في تزايد مستمر، نظراً لما تتمتّع به العاصمة صنعاء من مؤشّرات تنامي اقتصادي محدود، رغم الحصار والحرب، وكذلك الحال مع ما تشهده من استقرار امني ملحوظ وتنوّع ديموغرافي وحيوي، ومناخات الحريّة الفكرية والتعبيرية، والسّلام الاجتماعي، واعتماداً على تقديرات محليذة نستند في تحقيقها على مؤشرات قياسية أوليّة، منها تزايد حجم الاحتياجات الخدمية والاستهلاك اليومي المتزايد في جانب المشتقات النفطية ومادة الغاز المنزلي، إلى جانب التّنامي العمراني المضطرد، وحجم الكثافة الطلابية في المدارس والمجمّعات التعليمية والتربوية، وهي مؤشّرات تضعنا أمام حقيقة تزايد تعداد سكّان العاصمة صنعاء متجاوزين الخمسة مليون ونصف المليون نسمة.

- توفير خدمة الكهرباء والمياه للسكان في شهر رمضان... إلى أي حد يمكن تحقيق ذلك؟ ما هي العوائق؟
في جانب خدمات قطاع المياه والصّرف استطعنا وبدعم من «اليونسيف» من تجاوز عثرات التعطيل، وبذلك فإن المؤسّسة المحلية للمياه والصّرف الصحي بأمانة العاصمة تؤدّي دورها الخدماتي والحيوي، رغم تحدّيات هذا الوضع الصعب، وفما يخص قضية الكهرباء، فهي تأتي في إطار التعامل المركزي والسيادي للدولة، ودون ذلك فإننا نحرص على إعادة تشغيل المحطات المحلية، كمحطّة حزيز ومحطّة ذهبان، والتي نحاول حاليا تنفيذ أعمال تأهيل وصيانة عاجلة لها، وتأمين الوقود اللازم لعمل تلك المحطات وفق قدرات تحميل ممكنة، علماً أنّ شبكة الربط الرئيسة شبه منهارة.

- هل يمكن اعتبار أمانة العاصمة، في منأى عن التجاذبات السياسية باعتبار سلطتها إنتخابية ؟ وكيف يمكن فهم تواجد اللجان الثورية في هيكليات العمل المحلي داخل أمانة العاصمة ؟
ننوّه للجميع أنّنا كسلطات محليّة دستورية منتخبة، قد تحمّلنا المسؤلية في هذه المرحلة الاستثنائية الصعبة بدافع انتمائي ضميري وإنساني، لا نمثّل طرف في معادلة الصراع والحرب، غير خاضعين لأي توجّهات سياسية أو عسكرية، نستمدّ دستوريتنا القانونية من رحم الإرادة الانتخابية الحرّة، كإطار تنموي وخدماتي يمثّل آمال وتطلّعات المجتمع المحلي، ويحقّق مصالحهم في ضوء المصلحة الوطنية العامّة، ونشدّد هنا على عدم التّعامل مع أي مكوّن، لا يحمل وصف دستوري أو قانوني، غير ذي صفه، وليس للجان الثّورية في هيكلياتنا المحليّة تواجد او اعتبارية بإستثناء العمل الرّقابي المخوّل للمجتمع به في إطار تعزيز مبادئ الشفافية.

- كلمة أخيرة تودّون قولها؟
من أجل حاضر ومستقبل وطن، من اجل اليمن الأرض والإنسان، وبتجرّد مطلق من كل انتماء سياسي أو حزبي مناطقي أو فئوي، من كل هدف لا يرتقي لتماهيات الوضع العام، ومن كلّ غاية لا تسمو لتحقيق غير الصّالح العام، غير التسامح والتوافق والتصالح والسلام، وبعيداً عن الاعتبارية الرّسمية أو اللقب الوظيفي، وبعيداً عن ملابسات المشهد السياسي، وإفرازات الصراع و الحرب، ومن وحي أرواح الشهداء، كلّ الأبرياء الأطفال والنساء ضحايا هذا الواقع السلبي الانهياري الكارثي المخضّب بلون الدّم، أتوجّه بدعوة صادقة مخلصة، من قلب وطني لا يحمل غير حبّ اليمن غاية وهدفاً، معتقداً انتماءً والتزاماً، أتوجّه إلى كلّ أطراف الصراع، إلى كلّ ضمير إنساني حي في الوطن العربي والعالم أجمع، آن الأوان لصنع السّلام، كفانا دمار كفانا دماء، الحرب يجب أن تضع أوزارها، والسّلام يجب أن يكون، والمستقبل تصنعه إرادتنا جميعاً نحن اليمنيين، إرادة الخير والتّعايش والسّلام، في وطن يتّسع للجميع.
التعليقات