في الوقت الذي يلتئم فيه شمل اليمنيين تحت قبة مؤتمر حكماء اليمن، ويزداد الإصطفاف الوطني المجابه للعدوان لُحمةً وتماسكاً، ينفرط عقد تحالف وكلاء الصهيوأمريكية علناً في عقر مناطق هيمنته الحيوية، باندلاع التناقضات بين كانتونات المشروع الصهيوأمريكي الوظيفية، التي اضطلعت بأدوار تخريبية مباشرة وفاضحة لجهة مخاض «الشرق الأوسط الجديد» العاثر.
أمس الأول، لفظت آلة العدوان الأمريكي السعودي الشريك القطري مذموماً مدحوراً من منظومة تحالفها العسكري المذمومة والمدحورة بالأصل في اليمن، وعوضاً عن أن تقلد الجنود القطريين أنواط «الشجاعة والواجب والشرف» (مجازاً) ركلتهم على مؤخراتهم، ليس لأنها أضحت في غنى عن الوقود البشري، وإنما لأن مؤخراتها من جهة البيت الخليجي باتت عرضة مباشرة للهب الإحترابات الداخلية والمؤامرات البينية التي لم يعد بمقدور المدير التنفيذي الأمريكي لجمها في الكواليس، وإدارتها بصورة ناعمة وغير مرئية، بفعل ارتخاء قبضته التقليدية على خناق الشرق الأوسط.
حتى الأسبوع الفائت، كان تداعي الجبهة الوطنية الداخلية في اليمن هو الرهان الأبرز بالنسبة لتحالف العدوان الأمريكي السعودي، على خلفية عجز آلته العسكرية للعام الثالث عن إنجاز متغير ميداني نوعي بامتداد جبهات الإشتباك المباشر من ميدي إلى الساحل الغربي والجوف وتعز، إلا أن إلحاح التناقضات البينية الخليجية كان فوق قدرة الرياض وأبوظبي على إرجاء اندلاعها فاندلعت. وفيما التأم الإصطفاف الوطني اليمني أكثر من ذي قبل، اشتعل الحريق في قاع خزان البترول الخليجي بالمقابل، على نحو استثنائي وغير معهود في تاريخ منطقة المصالح الحيوية الأمريكية الأولى والوادعة حد الموات منذ عقود.
وبمنأى عن الخوض في الأسباب العميقة لنشوب هذا الحريق، وبروز هذا المتغير ـ البنيوي بالأساس ـ، يمكن الجزم بأن مجرى الأحداث قبله لن يعود إلى سالف انسيابه بعده، وأن معطيات مسرح الإشتباك باتت من الوفرة والاتساع بحيث يستحيل على أمريكا أن توقف تداعياتها عند نقطة ما وعلى مستوى ملف من ملفاتها، مع ضمان استمرار هيمنتها المطلقة وبلا منازع على خناق الشرق الأوسط. ولعل استشراف هذا الإنحسار الإمبراطوري الأمريكي هو ما دفع دوائر القرار العميقة في الولايات المتحدة إلى تنصيب دونالد ترامب رئيساً في منافسة فوجئ الغالبية بنتائجها، فالحاجة الأمريكية اليوم هي لجهة كبح متوالية الإنحسار وفقاً لشعار ترامب ذاته: «أمريكا أولاً».
تشعر كانتونات المدير التنفيذي الأمريكي الوظيفية في المنطقة باليتم والخذلان وفقدان المرجعية الناظمة لأدق تفاصيل شؤونها الداخلية، بما فيها تداول كراسي الإمارة والملك وتسوية الخلافات البينية العائلية على مستوى الكانتون الواحد أو على مستوى علاقة كل كانتون بالآخر ضمن الحظيرة الوظيفية الأمريكية. وترتيباً على حالة التيه والارتباك المهيمنة تلك، فإنها تنزلق بالقصور الذاتي في دوامة الإصطدام ببعضها البعض، بينما يكتفي المدير الأمريكي في الراهن بالاستثمار في التداعيات دون القدرة على توجيهها استراتيجياً كالسابق، الأمر الذي يبدو معه الرئيس الأمريكي محض تاجر شنطة في علاقته بهذه الكانتونات الخليجية تحديداً.
إن استحقاقات الفشل السعودي الإماراتي القطري، زائداً التركي، في استيلاد الشرق الأوسط الجديد المأمول أمريكياً، تقع بدرجة رئيسية على عاتق الأدوات لا المدير التنفيذي الذي خسر مستقبلاً من الهيمنة المطلقة كان يصبو إليه، بينما تواجه هذه الأدوات خطر خسارة وجودها برمته، كاستحقاق مباشر لفشلها في كسب المعركة لجهة مديرها التنفيذي.
في 26 مارس 2015، دفعت واشنطن بالمملكة السعودية إلى مستنقع العدوان على اليمن، دون غطاء من مظلة شرعية أممية، وفي غمرة غرقها اليوم تدفع بها واشنطن مجدداً إلى مستنقع اجتياح خليجي داخلي بذريعة إعادة قطر إلى بيت الطاعة السعودية، غير أن المؤكد كنتيجة لخطوة كهذه هو أن الخليج برمته سيخرج على بيت الطاعة الأمريكية المطلقة، فيما ستخسر المملكة كيانها المتورم الكبير والطارئ.
التعليقات