على عتبات بوابة منزل العم أحمد، أحد الميسورين في صنعاء، يتزاحم عشرات بينهم نساء وأطفال. ينتظرون بفارغ الصبر موعد إخراج ما تيسر من صحون طعام الإفطار، في ختام يوم رمضاني سرعان ما يرتطم برحلة أشد قسوة وعناء للبحث عن وجبة السحور. «كنا في رمضان العام الماضي أحسن حالاً، لا شيء أقسى من سؤال الناس، وانتظار وجبة عشاء عند أبواب منزلهم»، بتعابير مخنوقة بالأسى والحسرة تشرح أم وليد (ربة بيت يمنية لديها 4 أطفال) معاناة أسرتها، بعد أن فقد زوجها وظيفته جراء توقف مصنع للسيراميك قبل عام (تعرض لغارات طيران التحالف). وترفض أم وليد، في حديثها إلى «العربي»، ذكر اسمها خشية غضب زوجها، معربة عن اعتقادها بأن «المحتاجين لمساعدات إنسانية في رمضان هذا العام ازداد عددهم عن العام الماضي أضعافاً».
مرتبات منقوصة
أوضاع إنسانية صعبة يعيشها سكان صنعاء خلال شهر رمضان، في ظل تسلم الموظفين منهم مرتبات منقوصة نصف سنوية فقط، وتلقي منكوبيهم ومرضاهم مساعدات دولية شحيحة لا تفي بالغرض. «تلقينا مجرد وعود بمساعدات، لكنها على أرض الواقع شحيحة جداً وبطيئة جداً، ولذلك لم يظهر أثرها حتى الآن»، هذا ما يقوله الناطق باسم وزارة الصحة العامة، عبد الحكيم الكحلاني، في رده على سؤال لـ«العربي»، مضيفاً أن «هذه المساعدات لا تصل إلى وزارة الصحة على الإطلاق».
... ونداءات غير مسموعة
نداءات إنسانية عاجلة متتالية تطلقها وزارة الصحة في صنعاء من حين إلى آخر، لتوفير أدوية الأمراض المزمنة، لكنها على ما يبدو لا تجد استجابة لدى المجتمع الدولي ومؤسساته الفاعلة. في حديثه إلى «العربي»، يشير الكحلاني إلى أن «وزارة الصحة لم تلاحظ، خلال شهر رمضان، انتشاراً لأوبئة أخرى غير مرضى الكوليرا»، لكنه يؤكد أن الحالات الوبائية «في تزايد منذ شهر شعبان، والهرم الوبائي في تصاعد»، كاشفاً تسجيل الوزارة «قرابة 10 آلاف حالة مرضية».
ويتهم الكحلاني دول «التحالف»، الذي تقوده السعودية، بالتسبب بانتشار الأوبئة «بفعل استمرار العدوان والحصار، واستمرار القيود العدائية على مطار صنعاء الدولي»، لافتاً إلى أن «هنالك سنوياً أكثر من 75000 مريض، كانوا يسافرون عبر مطارات اليمن، ومن أهمها مطار صنعاء»، متابعاً أن «من يمنع مريضاً بحاجة للسفر للخارج، فهو يرتكب جريمة مركبة بلا شك».
أرقام مأساوية
يحتاج أكثر من 6 آلاف مصاب بالفشل الكلوي إلى 500 جلسة غسيل. ووفقاً لمصادر رسمية في وزارة الصحة، يموت من هؤلاء 2 - 3 يومياً، لانعدام المحاليل الخاصة بالغسيل، فيما لا يقدر 120 ألف مريض بالسكري على الحصول على الأقراص أو حقن الأنسولين، بسبب الحصار المفروض على البلاد.
وفي حديثه إلى «العربي»، يقسم الناطق باسم بوزارة الصحة الحالات المرضية، البالغ عددها 75 ألف حالة، إلى «مرضى السرطانات المختلفة أنواعها، زراعة كلى، عمليات في القلب»، مشيراً إلى احتياج بعضهم إلى «زراعة كبد، زراعة نخاع عظم، عمليات عظام أو عمود فقري وغير ذلك»، مضيفاً أن «كل هؤلاء، نتيجة إغلاق مطار صنعاء، لم يتمكنوا من السفر».
ولذلك، تفيد تقارير وزارة الصحة - بحسب الكحلاني - بوفاة أكثر من تسعة آلاف حالة، لعجز أصحابها عن الحصول على فرصة العلاج في الخارج، ولعدم توفر فرص العلاج في الداخل، «بسبب الحصار على الأدوية واستيرادها بسهولة، بفعل الحصار البري والبحري والجوي الخانق على هذا الشعب المظلوم». ويرى المسؤول في وزارة الصحة في حكومة الإنقاذ بصنعاء أن «حق السفر حق إنساني مكفول منذ خلق الله آدم، وأعطاه حرية الحركة والتنقل»، وبالتالي يعتقد أن «من يمنع إنساناً من السفر، يرتكب جريمة ضد حق الإنسان».
... وفرص إنقاذ محدودة
وبحسب تقارير رسمية، فإن 7220 من مرضى زارعي الكلى، و47 ألف مريض بالكبد، و1800 من مرضى الدم الوراثي، باتوا مهددين بالموت نتيجة عدم توفر الدواء اللازم لإنقاذ حياتهم. ولذلك، يواصل مسؤولو الصحة في صنعاء إطلاق نداءاتهم للأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية، و«أحرار وشرفاء العالم»، لـ«التدخل السريع لرفع الحصار الجائر على اليمن، وتوفير الأدوية والمحاليل الطبية اللازمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مرضى الأمراض المزمنة، وتلافي وقوع كارثة إنسانية مرتقبة».
التعليقات