ألقت ثورة 21 أيلول 2014 حجراً ثقيلاً في قاع الحياة السياسية اليمنية، فأفصح هذا القاع عن أزكى ما فيه وأعفن ما فيه معاً، وبرز غثُّه وثمينه إلى مجلى الرؤية المباشرة بلا مواربة ولا رتوش. وبانتقال المواجهة من طور الإشتباك المحلي بين قوى الثورة ومنظومة وكلاء مركز الهيمنة العالمية، إلى طور الإشتباك المباشر مع المدير التنفيذي الكوني لمنظومة الوكالة تلك، باتت الرؤية عين اليقين، والمشهد السياسي أكثر جلاءً للعامة من النظارة فضلاً عن النخبة أو المراقب المحلي المحترف.
ترغمنا ثلاث سنوات من التمحيص على أن نعيد النظر في مسلماتنا حول قضايا كثيرة، أبرزها «أممية الحزب الإشتراكي اليمني»! بعد حقبة من الغيبوبة ـ مبعثها التسليم المطلق بنزاهة رصيده النضالي التاريخي ـ أفقنا على «الحزب الأممي» غارقاً من الأخمص للرأس في مستنقع الطائفية والفرز المناطقي، ووجدنا معظم رموزه يتخندقون في ضفة العدوان على الوطن، تحت قيادة «الإمبريالية الأمريكية وقوى الرجعية العربية»، ويؤجرون ختومه «المهيبة» في مواخير البترودولار، ويعلقون أنواطه وشاراته النضالية على صدور غلمان النفط في أبوظبي والرياض.
قبل بضع سنين، سرد لي عضو اللجنة المركزية السابق والمتحدر من «شريحة المهمشين»، الرفيق والكاتب الصحافي محمد القيرعي، تفاصيل حوار دار بينه وبين الأمين العام المساعد لـ«الإشتراكي» ورئيس تحرير أسبوعية «الثوري» الناطقة باسم الحزب، أبو بكر باذيب. مضمون حوارهما كان حول انقلاب الحزب على خطابه التليد المنحاز للمسحوقين والكادحين، وانتهاج سياسة نقيضة لآمالهم وتطلعاتهم. عند نقطة محتدة من الحوار ـ يقول القيرعي بعينين دامعتين ـ انفجر باذيب في وجهه قائلاً بفوقية أرستقراطية: «رجاءً.. لا تنس أصلك»؛ غمزاً في انتمائه لـ«شريحة المهمشين».
على أن ساطور هذا الفرز المقيت بات مسلطاً على عنق كل رفيق ناهض سلطة الإقطاع والوصاية، وانخرط في صفوف ثورة أيلول 2014، كما وكل رفيق يناهض عدوان القوى الإمبريالية اليوم، والتي يشغل أمين عام «الإشتراكي» السابق منصب سفير لها (عن لندن) لدى التحالف الأمريكي السعودي، ويعكف الأمين العام الحالي في إحدى غرف عملياتها التآمرية في البحر الميت بالأردن.
ترتيباً على جلاء انحياز الحزب إلى القوى التي استمد شعبيته التاريخية من مناهضته لها، لا غرابة أن يرحل عن الدنيا محمد يحيى الغولي أحد أطهر رموزه المنحازين قولاً وعملاً إلى المستضعفين، دون بيان نعي من دوائر الحزب أو منشور يعزي في وفاته على حائط الدكتور السفير ياسين نعمان، لا لشيء إلا لأن الطهر أضحى مسبَّةً تجلب سخط كائنات المستنقع الإشتراكي الطائفي، فضلاً عن أن يحوز على نعي الرفاق.
جريرة الرفيق الراحل محمد الغولي تكمن في أنه أحد أبطال ملحمة الكفاح المسلح في مواجهة الإجتياح الصهيوني للبنان، كما وأحد رموز ثورة أيلول ضد سلطة القهر والتعبيد والوصاية ووكلاء الصهيوأمريكية في اليمن، وأحد أبرز المجابهين لعدوان تحالفها على اليمن بالكلمة والموقف والقول والفعل. جريرة الغولي أنه ينتمي إلى شمال الشمال، الرقعة التي تحالف «الإشتراكي» مع جلاوزة الإقطاع فيها بالضد لمسحوقيها ومستضعفيها منذ تأسيس «اللقاء المشترك المعارض» في 2002.
اسألوا ـ في سياق متصل ـ عن جريرة رفيق آخر سلمته منظمة الحزب في تعز لأقبية «القاعدة» و«داعش». رفيق يعرفه نعمان جيداً، اسمه أيوب الصالحي، يرزح مجهول المصير منذ قرابة العام في غياهب من يطريهم الدكتور السفير بوصفهم «المقاومة حملة مشروع الدولة المدنية»! على الرفاق الشرفاء أن يستنقذوا ما تبقى من شرف الحزب أو يحفروا قبره، ويرتجلوا مركباً طاهراً آخر يبحرون فيه صوب شمس الحرية والاستقلال مع جماهير المسحوقين والمهمشين والمستضعفين، فالنجمة السالفة صار قيادها للقراصنة، ووجهة إبحارها البيت الأبيض ووول ستريت.
التعليقات