لا يبدو أن الحروب المشتعلة والأوبئة المنتشرة وحوادث طرقات السير قادرة على احتكار مهمة حصد أرواح اليمنيين. فمع دخول الثلث الأخير من شهر رمضان، كانت لحظات «النزق الرمضاني» وخلافات الأسواق قد دخلت هي الأخرى خط حصاد الأرواح، بمقتل وإصابة 11 شخصاً، في اشتباكات مسلحة وعمليات ملاحقة وهجمات مباغتة وكمائن بين طرفين قبليين، استغرقت زهاء 5 ساعات متقطعة، وبدت صنعاء فيها كما لو أنها مسرح مفتوح، لواحد من أفلام «الأكشن» لمنتجات السينما الأمريكية «هوليوود».
منع الإحتكاكات
بسبب مبلغ 3 آلاف ريال يمني فقط (8$ تقريباً)، إرتفع عدد ضحايا معركة سوق للمواشي (أغنام يزداد الطلب على شرائها قبيل الأعياد)، في شارع خولان وسط العاصمة صنعاء، إلى 6 قتلى و5 جرحى من طرفي النزاع، بعضهم لا تزال حالته الصحية حرجة، وفقاً لمصادر طبية في المستشفى الجمهوري بالعاصمة صنعاء، قالت، لـ«العربي»، إن المستشفى استقبل جرحى أحد طرفي النزاع، فيما نُقل جرحى الطرف الآخر إلى مستشفى الثورة (يبعد 3 كيلومترات عن المستشفى الجمهوري)، وذلك بهدف منع وقوع أي احتكاك مباشر بين زوار الجرحى، وبما من شأنه التخفيف من حدة الإحتقان في أوساط قبيلتي طرفي المواجهات المسلحة.
«قامت القيامة»
لا يزال عبد الله سالم، شاهد عيان يعمل في سوق المواشي، متأثراً بهول الحادثة، يقول: «أنا مصدوم وغير مستوعب، لقد كنت على مقربة منهم عند تبادل إطلاق الرصاص، فتح مسلح نيران بندقيته على كل من في السيارة». وحول أسباب الخلاف، يروي سالم، لـ«العربي»، أن الخلاف بين اثنين من العاملين في السوق بدأ على قيمة «دلالة»، وهي عمولة بيع وشراء يعمل بها في مثل هذه الأسواق، مبيناً أن «مشادات واشتباكات بالأيدي وقعت بسبب 3 آلاف ريال دلالة بيع كبش، كان الوقت بعد صلاة العصر، والناس صائمين»، مشيراً إلى أنهم في سوق المواشي اعتقدوا بأنهم نجحوا في احتواء الخلاف (الاشتباك بالأيدي)، والذي عادة ما يتكرر فيتم الصلح بين طرفي الخلاف بواسطة العاملين في السوق، بحلول وسطية ترضي الطرفين، مضيفاً أنه بعد ساعة ونصف ساعة «قامت القيامة».
إسناد قبلي
وفيما كان السوق يعج بالمتسوقين، والازدحام المروري في الشارع الرئيسي المحاذي للسوق في ذروته ( الساعة 5 عصراً تقريباً)، كانت تعزيزات مسلحة من طرفي الخلاف قد وصلت ساحة السوق، فاتحة نيران أسلحتها، كل باتجاه الآخر، لتعقبها عمليات ملاحقة، وكمين على مقربة من المكان، تسبب بارتفاع عدد الضحايا إلى 6 قتلى و5 جرحى (عدد القتلى مرشح للزيادة في ظل وجود حالات حرجة).
إتصالات مكثفة
بين مديريتي بني مطر في صنعاء والحدا في ذمار، اللتين ينتمي إليهما طرفا الخلاف، تجري وساطات قبلية، ومن شخصيات برلمانية وقيادات عسكرية سابقة. رحلات مكوكية، واتصالات مكثفة، في محاولات لاحتواء الموقف، وإيقاف تداعيات القضية. وفي هذا الصدد، تقول مصادر قبلية في مديرية بني مطر، لـ«العربي»، إنهم يسعون مع عقلاء مديرية الحدا لمحاصرة القضية، ومنع اتساع محيط شرارة نيرانها، كخطوة أولى نحو حلها، «بتنسيق مع أجهزة الشرطة والسلطات المختصة»، في حين ترفض مصادر في شرطة أمانة العاصمة التعليق على الحادثة، التي أثارت سخرية وتندر الوسط الإجتماعي من حيث أسبابها، وبقاء الكبش «محل الخلاف» على قيد الحياة!
سؤال من وحي الموقعة
وعلى هامش اهتمامات سكان صنعاء بمتطلبات العيد، وأحاديث الأزمة الخليجية، والقرارات الملكية في السعودية، والحرب والحصار والكوليرا، لا يزال موضوع معركة سوق المواشي يشغل حيزاً واسعاً في جدول حديث الأسواق والساحات العامة والمنتديات والمجالس ووسائل النقل الجماعي الداخلي. ويتساءل البعض، في هذا الإطار: «إذا كان اليمنيون لا يتخلون عن حقوق بسيطة جداً حينما تُسلب منهم قهراً، ولا ينسون ثأراً لهم مع رفاق عمل، فكيف والحال هكذا بمن يشن عواصف حرب خارجية على بلادهم وينتزع حقهم في الحياة!؟».
التعليقات