تبدو الشرعية في اليمن في هيئة أكبر مطية في التاريخ، لتحقيق غايات خاصة بجماعات وأفراد ودول على مستوى محلي وإقليمي ودولي. في الماضي والحاضر، هذه الشرعية التي حاول النظام السابق التمسك بها من أجل تحقيق غايات جهات متنفذة فيه، ومرر تحت رايتها تعديلات دستورية، ومدد لمجلس النواب فيها حتى بلغ به العمر إلى ما يقارب ربع قرن، هي ذاتها التي امتطاها المتنفذون للقيام بحرب التخلص من شركاء الوحدة، وهي التي يمتطيها الآن شركاء التخلص من الوحدة، هكذا هي الشرعية أكبر ورقة توظيف سياسي شهدها تاريخ اليمن الحديث.
تستمد لفظة الشرعية جذرها من دلالتها الضاربة في الفكر الديني والقانوني، فهي تمتد إلى معنى الشريعة التي تعد أساس الحكم في الفكر الإسلامي، كما أنها تأخذ امتدادها القانوني من مشروعية القوانين والأنظمة التي تطبقها، ومن هذه الدلالة بأبعادها المختلفة تأخذ بعداً إيجابياً في شكلها، لكنها في اليمن تعرضت للتدمير المتلاحق حتى أصبحت ذات دلالة سلبية. وكانت بداية هذا التحول السلبي للمصطلح مع حرب 94، حيث كانت تسمى القوات التي اقتحمت الجنوب بقوات الشرعية، وقد ارتبط المصطلح حينها في أذهان الناس، لا بالبعد الإيجابي للكلمة، وإنما بالبعد السلبي لها، البعد السلبي المتمثل في دلالة قيام حرب شاملة على شريك الوحدة وإخراجه من المعادلة السياسية في اليمن، وكذلك من الممارسات التي تبعتها من تدمير للقوانين، ومصادرة للأراضي، ونهب للمؤسسات، وتأسيس لأحكام تتناقض مع القوانين والأنظمة والشرائع، وسيادة للفساد والمحسوبية والواسطة، وكل ما له علاقة بكل ما هو غير شرعي.
المفارقة الكبرى في هذا الأمر هو أن الشرعية التي امتطاها النظام القديم لاجتياح الجنوب، هي الأداة نفسها التي استعملها المشروع المناقض له والمنادي باستقلال وتحرير الجنوب. فقد مثل الإنقلاب الذي قام به الحوثي وشريكه الرئيسي الذي قاد حرب 94 فرصة لرد الشرعية، بعدما قام طرفاه بغزو الجنوب بالمليشيات في 2015، فما كان من الحركة الجنوبية إلا أن اتخذت من الشرعية مطية لها لمواجهة المليشيات الجديدة وشرعية 94 في الوقت نفسه، وبذلك تكون الشرعية التي اجتاحت الجنوب في 94 هي الشرعية التي حررته في 2015.
هناك الإنتهازيون الذين يتكاثرون كالفطرعلى عيش الشرعية المتخمر، وزراء، وقادة، ورجال قبائل، ورجال دين، ومسؤولون، وشخصيات حزبية، وإعلاميون، كل هؤلاء ينادون باسم الشرعية بألسنتهم ويحشون جيوبهم بالأموال المدنسة فساداً، ويتوزعون إرث الشرعية المشاع بين أهلهم وعشائرهم بصورة غير مشروعة.
دخلت السعودية هذه الحرب بعد طلب من الشرعية، لتكون «عاصفة الحزم» التي تقودها لإعادة الشرعية لافتة رئيسية تتخفى تحتها الكثير من الأهداف المتمثلة بإعادة السيطرة على اليمن على وفق أجندتها، كما كانت مسيطرة عليه خلال السنوات الماضية. وبعد أن شعرت أن اليمن بدأ يتحول إلى محور بعيد عن سياستها، وأنه ينزلق ليكون في المعسكر المناوئ للسياسة السعودية، ما كان منها إلا أن رأت في الشرعية والدفاع عنها ورقة جيدة لإعادة السيطرة، وتشكيل اليمن بصورة تناسب المكان الذي تريده لها المملكة، وأيضاً الإمارات هي الأخرى مشتركة في هذا التحالف الذي ينادي بإعادة الشرعية، ولكنها تدعم جماعات مسلحة وأطرافاً سياسية لا تأخذ أوامرها من الشرعية، ولا تعترف بشرعيتها.
لقد أثبتت الشرعية كم أنها عاجزة، وكم أن هذا المصطلح البريء قد تحول إلى كائن رديء بفعل أداء هذه السلطات التي سلبت من الأشياء كل دلالاتها الجميلة، وأصبحت الشرعية فاقدة لمشروعيتها، وهنا يصبح التحدي الأكبر أمامها هو أن تستعيد كينونتها لتصبح الشرعية مشروعة.
التعليقات