جريرتنا كيمنيين أنه لا نفط ولا غاز تحت أقدامنا، ولا جزمة أمريكية فوق رؤوسنا، ليتعاطف العالم المنافق معنا... مع دمنا وأشلاء صغارنا الماطرة من شاشات التلفزة على مدار الساعة.
جريرتنا أننا لسنا نياقاً قطرية فقدت مراعيها بفعل القطيعة القائمة بين الرياض والدوحة منذ زهاء شهر، بل شعب تحاصره غيلان الكون من كل صوب، وتنشب مسوخ الجو مخالبها الحداثية في لحم نسائه وأطفاله وشجره وحجره وخبزه ومائه وأفراحه وأتراحه وأعراسه ومآتمه طيلة عامين ونصف العام، دون أن ترقى كل أضابير القتل اليومي المنتفخة والمتعاظمة تلك إلى مستوى حدث يسترعي انتباه العالم المنافق، كما تسترعي انتباهه اليوم الهجن الأميرية المهجَّرة مفسحاً لها مراعيَ بديلة، ومجالات جوية وبحرية طارئة تمدها بقناني «البربيكان» و«الكوكا كولا» وفطائر «الأمريكانو» وأصابع «الجالكسي» التي أطاحت بها عاصفة حصار أسابيع من رفوف المولات القطرية.
«حصاركم فَشِلَ وصمودنا أذهل العالم». مانشيت بالأحمر العريض تصدَّر الصفحة الأولى من جريدة «الراية» القطرية. أي حصار؟! وأي صمود؟! وأي عالم؟!
غيلان الصحراء الطالعة من مجارير الطفرة النفطية الستينية ترشق بعضها البعض بقطنة الإرهاب، ويُباهي النظير بقدرته على خنق نظيره كفاعل، ويباهي المفعول به بقدرته على الصمود، ويحتكم طيف المتراشقين إلى بورصة القوة الأمريكية شاحذين انحيازها ونُصرتها ورحمتها بلا استثناء كمفعولين بهم لفاعل واحد أحد، هو الولايات المتحدة، التي تمنح هذا إمكانات الحصار وتمنح ذاك إمكانات الصمود، إكراماً لما تحت مؤخراتهم من ذهب أسود يوشك أن يذهب ريعه إلى خزائن التنين الأصفر.
وأما اللحم اليمني فليس ماركةً ليضنّ به العالم على مسلسل حفلات الشواء اليومية السعودية الإماراتية، كما أن ملحمة الصمود اليمني ليست فيلم «أكشن» من إنتاج «هوليوود»، لتشد انتباهه وتثير حماسته وإعجابه، والحمد لله أنه وأنها ليسا كذلك.
جوعى نحن، وفي مهب أوبئة وأسقام الحصار والعدوان، لكن ما من شعب على وجه المعمورة يضاهينا في شدة الشكيمة وصلابة السواعد.
مصلوبون وعرايا نحن، على أعواد الجور والجبروت بلا جريرة، لكن ما من شعب يضاهينا حرية واستقلالاً، وما من أنوف تضاهينا أنفةً وكبرياءً، ولا مناكب تناكبنا إقداماً وتبارينا جَلدَاً وجرأةً على اقتحام أوكار المنايا وحياض الردى.
واقفين نعيش ونموت لأن أثمن ما لدى المرء فينا رأسه، فلا يطأطئها متوسلاً شفقة، بل يقدمها ثمناً لعيشة بهامة مرفوعة وميتة بهامة مرفوعة. وأما أثمن ما لدى المليك والأمير في حظائر البترودولار فالشماغ والعقال، ودونهما فإنه بلا ملامح، وهو يتحسس شماغه وعقاله على الدوام ليطمئن إلى أن الجزمة الأمريكية لا تزال تظلله، مستدلاً بها على رأسه، ومتخوفاً من أن يصحو ذات نهار فلا يجدها فيخسر وجوده برمته.
ما أسخف أولئك الذين يهذرون ـ بقناعة منافقة ـ أن «الدبلوماسية القطرية نجحت في كسر الحصار»! وهل التمترس في الحذاء الأمريكي لمواجهة وصاية الجورب السعودي يعد نجاحاً يستوجب الإطراء؟!
أعيذ حصارنا من أن يشبه «حصار قطر»، وصمودنا من أن يشبه «صمودها»، وما انتفاع الحر بناظره إذا استوى كلا المشهدين لديه؟!
التعليقات