تُعدّ حضرموت أحد الأقاليم اليمنية المغرقة في القدم؛ فجذوره ضاربة في عمق التاريخ باسمه وتكوينه. يقول المؤرخ محمد عبد القادر بامطرف: حضرموت هي المنطقة الجنوبية القديمة الوحيدة التي لا تزال تفتخر إلى اليوم باحتفاظها باسمها وحدودها ومدنها منذ ثلاثة آلاف سنة وأكثر. ومن أبلغ ما يدل على حضوره التاريخي والحضاري، ذكره ومناطقه وبعض أعلامه في الشعر العربي الضارب في القدم منذ أقدم عصوره، وهو الشعر الجاهلي، وهنا سنقتصر على شاعرين عظيمين من شعراء المعلقات، كنموذج على الحضور الحضرمي في الشعر الجاهلي.
امرؤ القيس بن حجر الكندي، شاعر جاهلي يمني من حضرموت كما هو ظاهر من دلالة نسبه وشعره؛ فنسبه يعود للقبيلة القحطانية كندة التي استقرت في وادي حضرموت منذ زمن بعيد، وشعر امرئ القيس شاهد على المواضع التي يفخر بالانتماء إليها، بحيث لا تتأتى معرفة تفاصيلها الجغرافية والتضاريسية إلا من ابن بيئتها، ومن بينها مناطق دمون وعندل وصيلع وغيرها، فنجده يقول:
كأنيَ لم أسمر بـ(دمون) ليلة ولم أشهد الغارات يومًا بـ(عندل)
ويقول:
أتاني وأصحابي على رأس (صيلع) حديث أطار النوم عني وأفحما
وهذا الجبل يقع في منطقة الهجرين. يقول عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف: «الهجرين واقعة في حضن جبل فارد جاثم على الأرض... وفي جنب ذلك الجبل الشبيه بالجمل من جهة الشمال آثار دمون المذكورة في قول امرئ القيس:
تطاول الليل علينا دمون».
ومن ذلك إشارته إلى منطقة رَخْيَة بوادي حضرموت، وبعض ما حولها من قراها المتناثرة، حيث يقول:
خرجنا نريع الوحش بين ثفالة وبين رخيات إلى فج أخرب
قال ابن عبيد الله: «إن امرأ القيس لا يريد إلا رخية هذه، كما لا يريد بأخرب إلا خربة القمازين من نهد، فإنها بينها وبين رخية بالتقريب مقدار أربع ساعات».
ورجح أن (أبان) المذكور في معلقته:
كأن أبانًا في عرانين وبله كبير أناس في بجاد مزمل
هو جبل في حضرموت يقع بقرب منطقة شرمة الساحلية شرقي مدينة الشحر، «لأن امرأ القيس حضرمي، وقد ذكر أباناً وهو إلى جانب شرمة».
وأشار بعضهم إلى أن امرأ القيس ذكر منطقة القطن، اسم المدينة المعروفة في حضرموت، حيث يقول:
على قطن بالشيم أيمن صوبه وأيسره على الستار ويذبل
وامرؤ القيس، وإن قضى شطراً من عمره خارج حضرموت حيث دولة آبائه في نجد، فلا ينافي ذلك حضرميته، أو كما قال المؤرخ محمد بن أحمد الشاطري: «مولده بنجد لا يخرجه عن حضرميته، كالكثير من مواليد الحضارمة بالمهاجر حين يولدون بها ويعيشون ويتمسكون بوطنهم الأصيل العربي، حضرموت».
وقد ذكر الدكتور شوقي ضيف، في انتساب الشاعر امرئ القيس، أنه ينتمي إلى «قبيلة كندة، ومن بيت السيادة فيها، وهي قبيلة يمنية كانت تنزل في غربي حضرموت، وهاجرت منها جماعة كبيرة إلى الشمال مع هجرات اليمنيين المعروفة».
كل ذلك يخالف ما قاله الناقد عبد الله البردوني: «إن امرأ القيس يماني النسب، نجدي الشاعرية والبيئة»، بل هو يماني الشاعرية والبيئة، يقول عنه الجغرافي عبد الله سعيد باحاج: «جاء في أشعاره بعض المعلومات الجغرافية عن دولة كندة وحضرموت عموماً، ومناطق الإستيطان البشري فيها آنذاك»، ويؤيد هذا المؤرخ محمد حسين الفرح حيث قال: «إن أشعار امرئ القيس تنطق بمعالم حياته في اليمن».
وإن نظرة سريعة إلى معلقته الشهيرة «قفا نبك» تبين بمعجمها الشعري أن قائلها حضرمي الأرومة، ولن تشك في حضرمية قائلها، إذ ستلفت نظرك وستقرع سمعك كلمات وعبارات مأنوسة من مثل: «غدوة، مساويك، السليط [الزيت]، الكثيب، الحنظل، المداك، ناقف، بعر، بعير، الوليد [الصبي أو الغلام]، عروس، حناء، درع [لباس للمرأة المكتهلة]، منارة، فتيت، العشاء، اللبد، غبار، الفتل، خذروف، حطه السيل، يكب، يسح، تمطى، خيط موصل، الذبال المفتل»، وغيرها من الكلمات والعبائر التي ما زال يعرفها الوسط اللغوي في حضرموت، وهي وإن كانت كلمات فصيحة يتكلم بها العرب عموماً لكن بصورة متفرقة بين قبائلهم وبيئاتهم، فيدل اختيارها دون غيرها في قصيدة واحدة للشاعر على نوع بيئته التي تنتشر فيها ذلك المفردات بعينها.
وقد لاحظ ذلك الناقد محمد سعيد جرادة، بل يرى الناقد عبد الله محمد السقاف أن معلقة امرئ القيس قد «قالها في حضرموت وعمره بين العشرين والثلاثين»، لكن شوقي ضيف يرى أن امرأ القيس شب في ديار بني أسد، ومن ثم فإن ما ورد في معلقته يعبر عن بيئة منازل بني أسد أمكنة وأحداثاً، وهذا لا يمنع ما أورده السقاف من أن الشاعر نظم معلقته بحضرموت لأنها مسوقة في إطار الذكريات، ووافقه المؤرخ الفرح، وقال: «في القصيدة ذكرياته وغرامياته في مناطق نجد واليمامة، وبما أنه ذكرها على سبيل التذكر، فلا يتعارض ذلك مع الرأي بأنه قال القصيدة وهو باليمن»، وسواء قالها في حضرموت أو خارجها فليس في ذلك ما يعارض حضرمية قائلها كما أفشى معجم قصيدته اللغوي.
وكان لإقليم حضرموت دور بارز في عصور مضت على مستوى الجزيرة العربية، حتى نراه مزاراً لبعض كبار شعراء الجاهلية لمدح رؤسائه وأشرافه، ومن بين أولئك الشاعر الأعشى، وكان مغرماً بالترحال ليكتسب رزقه من المديح، ونراه يذكر حضرموت ضمن مزاراته في قوله:
وقد طفــت للمــال آفاقـه عمان فحمص فأوريشـلم
أتيت النجاشي في أرضــــه وأرض النبيط وأرض العجم
فنجران فالســــرو من حمير فأي مـــرام له لم أرم
ومن بعد ذاك إلى حضــرموت فأوفيت همــي وحينًا أهم
وقد ذكر الأعشى في شعره بعضاً من مدن حضرموت لدى زيارته لها، ومن بينها عاصمتها التاريخية مدينة شبوة، حيث يقول:
إنا لدى ملك (بشبـ ـوة) ما تغب له النوافل
وذكر من مدنها التاريخية مدينة تريم في قوله:
طال الثـواء لدى (تريـ ـم) وقد نأت بكر بن وائل
كما زار مدينة شبام، فقال في سياق مدحه لأحد زعمائها:
قد نال أهل (شبام) فضل سؤدده إلى المدائن خاض الموت وادرعا
وكل من شبوة وتريم وشبام من المدن الحضرمية العريقة في تاريخها، وما زالت الأخيرتان منها عامرتين محتفظتين بحضورهما المدني ووهجهما الحضاري، أما مدينة شبوة فهي اليوم خرائب وأطلال، وموقعها غني بالآثار التاريخية.
ذلك الزعيم الحضرمي، ممدوح الأعشى، هو قيس بن معدي كرب الكندي، فوصف مكانته القبلية بقوله:
كريمًا شمائله من بني معاوية الأكرمين السنن
ومعاوية المذكور هو جد لفرع كندة، الذي منه ملوك حكموا في أواسط الجزيرة العربية قبل أن يفيئوا للعودة لقومهم في حضرموت؛ لذا يضاف إليه وصف الأكرمين، واختلطت كندة بحضرموت القبيلة حتى صارت فروعها تنسب إليها.
وفي وصف انتمائه المكاني وموضع حكمه في حضرموت، قال:
ونبئت قيساً ولم أبله كما زعموا خير أهل اليمن
وقال:
وإن غزاتك من حضرموت أتتني ودوني الصفا والرجم
فقيس هو ملك كندة في عصره، وهو والد الأشعث بن قيس الصحابي المعروف، وإياه عنى الشاعر عبد يغوث الحارثي بقوله:
فيا راكباً إما عرضت فبلغا نداماي من نجـران ألا تلاقـيا
أبا كرب والأيهمين كليهما وقيساً بأعلى حضرموت اليمانيا.
التعليقات